قراءة تاريخية في سياسة السدود بالمغرب منذ الخطاب التأسيسي للملك الحسن الثاني بطنجة في 18 شتنبر 1967 حتى اليوم: من 13 سداً موروثاً عن الاستعمار إلى أكثر من 150 سداً بطاقة استيعابية تتجاوز 20 مليار متر مكعب.
سياسة السدود بالمغرب
من خطاب طنجة 1967 إلى آفاق 2050 — رؤيةٌ ملكية تحوّلت إلى قوة هيدروليكية
في الثامن عشر من شتنبر 1967، وقف الملكُ الحسن الثاني بطنجة ليُلقي خطاباً لم يكن مجرد وعدٍ سياسي، بل كان ميثاقاً حضارياً مع الماء: «مليون هكتار مسقي قبل نهاية القرن». وكانت وراء هذه الجملة رؤيةٌ استراتيجية عميقة حوّلت المغربَ خلال عقود من دولة مائيةٍ هشّة إلى قوة هيدروليكية إقليمية.
الخطاب التأسيسي
1967
18 شتنبر — طنجة
السدود الكبرى (2026)
+150 سد
من 13 سداً موروثاً
الطاقة الاستيعابية
20.8 مليار م³
من 2.4 مليار م³ سنة 1967
نسبة الملء (مارس 2026)
71.6%
12.4 مليار م³ مخزّنة
أولاً: ما قبل 1967 — إرثٌ استعماري هزيل
لا يمكن استيعابُ ضخامة الثورة الهيدروليكية التي أطلقها الملك الحسن الثاني دون استحضار الوضع المائي الذي ورثه المغربُ المستقل. فعند الاستقلال سنة 1956، لم يتجاوز عدد السدود الكبرى المُشيَّدة في كامل التراب المغربي 13 سداً، معظمها بُني بمنطق الاستغلال الاستعماري: سقي المزارع الأوروبية وتوليد الطاقة لصالح الصناعة الاستخراجية، لا التنمية الشاملة للبلاد وأهلها.
كانت الطاقةُ الاستيعابية الإجمالية لهذه المنظومة الهزيلة لا تتجاوز 2.4 مليار متر مكعب، في حين كانت احتياجات بلد بالغ عدد سكانه نحو 12 مليون نسمة آنذاك تستوجب ضعف ذلك على أقل تقدير. وفي غياب البنية التحتية المائية الكافية، كانت التساقطاتُ تتقلب بشدة بين أعوام فيضانات مدمّرة وأعوام جفاف قاسية يُجاهر فيها المغربُ بفقرِه الهيدروليكي.
ميراث الحماية المائي (1912-1956)
ثانياً: خطاب طنجة 1967 — الميثاق التأسيسي للسياسة الهيدروليكية
في الثامن عشر من شتنبر 1967، وقف الملك الحسن الثاني أمام جمهور من المهندسين والمسؤولين والفلاحين بمدينة طنجة ليُطلق صيحتَه التاريخية: تحقيقُ مليون هكتار مسقي قبل انقضاء القرن العشرين. لم يكن ذلك وعداً انتخابياً عابراً، بل كان تدشيناً لنظرية دولة واضحة المعالم: الماءُ هو شرط السيادة الغذائية، والسدُّ هو شرط الماء.
أسندت الرؤيةُ الملكية موقعَها في التحليل التاريخي والاقتصادي على ثلاث مُسلَّمات متكاملة: أولاها أن المغرب بلدٌ شبه جاف طبيعياً لا تكفي أمطاره وحدها لتأمين احتياجاته الغذائية والصناعية؛ وثانيتها أن احتواءَ مياه الأمطار بدلاً من تركها تضيع في البحر أو تتبخر فوق الصحراء هو استثمارٌ في صميم السيادة الوطنية؛ وثالثتها أن الفلاحة المسقية وحدها قادرةٌ على كسر تبعية الزراعة للمناخ وضمان استقرار الغذاء الوطني.
«لقد أطلقنا تحدياً للزمن ولأنفسنا وقرّرنا تحقيق المليون هكتار المسقي»
الملك الحسن الثاني — عند تدشين السد العاشر بالمغرب، 1974
ترجمت الحكومةُ هذه الرؤية فوراً إلى برنامج استثماري طموح: خصّص المخطط الخماسي 1968-1972 ما نسبته 41% من الاستثمارات العمومية (أي 2.088 مليار درهم) لقطاع الري، بواقع 400 مليون درهم سنوياً لبناء السدود. كانت أرقاماً ضخمة بمقاييس تلك الحقبة، تُعبّر عن قناعة راسخة بأن الاستثمار في الماء هو الاستثمار الأجدى والأبقى.
ثالثاً: مراحل البناء الكبرى تحت القيادة الحسنية (1967-1999)
سارت الاستراتيجيةُ الهيدروليكية الحسنية في مراحل متعاقبة، تصاعدت وتيرتُها وتوسّعت رقعتها وتنوّعت أهدافها:
1974
الموجة الأولى — سدود التأسيس
أمر الملكُ الحسن الثاني بإطلاق أولى السدود الكبرى الحاملة للأسماء التاريخية: مولاي يوسف على وادي تساوت، والحسن الداخل على وادي الزيز، ويوسف بن تاشفين على وادي ماسة، ومنصور الذهبي على وادي درعة، وإدريس الأول على وادي إناون، وسيدي محمد بن عبد الله على وادي أبي رقراق. شُيّد في هذه الفترة ما يزيد على ثمانية سدود كبرى، لتبلغ القدرةُ الاستيعابية ضعفَها في أقل من عقد.
1986
الموجة الثانية — التسارع المائي
بعد جفاف 1980-1984 الذي كشف بجلاء مدى هشاشة الاقتصاد الزراعي المائي، تضاعفت الوتيرة: بُني في الفترة 1985-1986 وحدها 21 سداً. وسعت الاستراتيجيةُ إلى تغطية كافة الأحواض الهيدرولوجية الكبرى دون استثناء، لتعزيز التوازن الجهوي في توزيع الثروة المائية.
1999
الموجة الثالثة — الاكتمال والإنجاز
في مشهدٍ استثنائي، تجاوز المغربُ عتبةَ السد المائة في التسعينيات، وبلغت مساحة الأراضي المسقية مليون هكتار سنة 1997 — أي قبل ثلاث سنوات من الأجل الذي حدّده الملك بنفسه! وكان آخر إنجاز جوهري في هذه المرحلة تدشين سد الوحدة على وادي ورغة سنة 1997، وهو أكبر سدود المغرب اليوم وثاني أكبر سدود أفريقيا.
الحصيلة الحسنية: أرقامٌ ناطقة
16 → 100+
عدد السدود: من 16 سدًّا إلى أكثر من 100 سد سنة 1999
2.4 → 15 مليار م³
تضاعفت الطاقة الاستيعابية 6 أضعاف خلال ثلاثة عقود
1997
الوصول إلى مليون هكتار مسقي — 3 سنوات قبل الموعد!
رابعاً: عهد محمد السادس — البُعد الجديد والتحولات الهيكلية
توارث الملكُ محمد السادس عند اعتلائه العرش سنة 1999 منظومةً هيدروليكية متينة، وعليه استكمالُها وتحديثُها في مواجهة تحديات مستجدة لم يعرفها سلفه بالحدة ذاتها: الضغطُ الديمغرافي المتصاعد، والتغيرُ المناخي المُتسارع، والطلبُ الصناعي والسياحي المتنامي.
شُيِّد في عهده أربعون سداً إضافياً على الأقل، مما رفع الرصيد الإجمالي إلى ما يزيد على 140 سداً بطاقة استيعابية تجاوزت 18.6 مليار متر مكعب بحلول منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة. ولم تتوقف عجلةُ البناء عند هذا الحد؛ إذ استُكمل في سنة 2025 ملءُ سد غيس بإقليم الحسيمة (بطاقة 93 مليون م³) وانطلق ملءُ سد الساقية الحمراء بإقليم العيون (بطاقة 113 مليون م³)، مما رفع الطاقة الإجمالية إلى حدود 20.8 مليار متر مكعب.
والأهم أن الاستراتيجيةَ المحمدية وسّعت مفهوم سياسة السدود ليشمل أبعاداً لم تكن في الحسبان في مرحلة التأسيس: الترابط بين الأحواض (مشروع الطريق السريع للماء شمال-جنوب)، وتكاملُ السدود مع محطات التحلية (أكبرها محطة الدار البيضاء-عين عاتق المرتقبة سنة 2028)، والتوجّهُ نحو السدود التلية الصغيرة لإعادة شحن الفرشات الجوفية.
خامساً: التوزيع الجغرافي — أكبر الأحواض وأبرز السدود
حوض سبو — سد الوحدة
66%سد الوحدة على وادي ورغة (طاقة 3.8 مليار م³) — ثاني أكبر سدود أفريقيا، يُشكّل العمودَ الفقري للأمن المائي في الشمال الغربي.
حوض أبي رقراق — سد سيدي محمد بن عبد الله
96%+يضمن هذا الخزانُ العملاق الأمنَ المائي للمحور الرباط-الدار البيضاء، وقد سجّل في مارس 2026 نسبة ملء بلغت 99% في لحظة تاريخية استثنائية.
حوض اللوكوس — ابن بطوطة، وادي المخازن، النخلة
100%بلغت سدودُ هذا الحوض طاقتها الاستيعابية القصوى في شتاء 2025-2026، مُسجّلةً واحداً من أعلى معدلات الملء في تاريخ رصد المنظومة المائية.
حوض ملوية — محمد الخامس، الحسن الثاني
32%يبقى الشرق المغربي الحلقةَ الأضعف في المنظومة؛ إذ لم تتجاوز نسبة ملء سدي محمد الخامس والحسن الثاني 37% و16% على التوالي، مما يستدعي توجيهاً استراتيجياً خاصاً في الخطط القادمة.
سادساً: الوظائف الاستراتيجية للسدود — ما وراء تخزين الماء
ينظر غيرُ المتخصص إلى السد على أنه خزانُ ماء لا أكثر؛ بيد أن الاستراتيجية المغربية للسدود وعت مبكراً أن الفائدة المُثلى تكمن في تضافر الوظائف لا في أُحاديّتها. فالسدُّ في المنظومة المغربية هو في الوقت ذاته:
مورد زراعي
تروي السدود مساحات مسقية تناهز مليون هكتار، إنتاجُها يُشكّل ركيزة الأمن الغذائي الوطني ومصدر الصادرات الزراعية
مصدر ماء الشرب
أكثر من 80% من احتياجات الماء الصالح للشرب في المدن المغربية تُستقى من خزانات السدود عبر محطات التصفية
محطة كهرومائية
يُوفّر الإنتاج الكهرومائي في السنوات الرطبة ما يصل إلى 8% من إنتاج الكهرباء الوطني، بانبعاثات كربونية منعدمة
حاجز الفيضانات
تُقلّص السدود خطر الفيضانات بامتصاص ذروات التدفق وتنظيم تصريف الأودية، مُنقذةً مساكنَ وأرواحاً وبنى تحتية
سابعاً: الجيل الجديد من السدود وآفاق 2050
لا يُعلن البرنامج الوطني للتزود بالماء الصالح للشرب والري 2020-2027 عن نفسه باعتباره امتداداً تقنياً بحتاً لسياسة الحسن الثاني، بل يُقدّم نفسه برؤية تكاملية ثلاثية الأبعاد: الاستمرارُ في بناء السدود بمعدل 20 سداً على الأقل خلال هذه المرحلة، واستحداثُ شبكة وطنية للتحويل بين الأحواض، وإطلاقُ منظومة من محطات التحلية تُنتج 350 مليون م³ سنوياً في أفق 2025.
وفي إطار هذا البرنامج، انطلقت أشغال إنجاز أربعة سدود متوسطة بطاقة إجمالية تصل إلى 50 مليون م³، إلى جانب سبعة سدود صغيرة ضمن برنامج «الشساعة» بطاقة تفوق 7.5 ملايين م³، فضلاً عن ستة سدود إضافية في طور طلب العروض. كما تتواصل الدراساتُ المتعلقة بالشطر الثاني من المشروع الرابط بين أحواض سبو وأبي رقراق وأم الربيع، على أساس إطلاق أشغاله خلال 2026.
وبالنظر إلى المشهد الراهن في مارس 2026، يُسجّل المغرب 71.6% كنسبة ملء إجمالية لمنظومة سدوده الكبرى، مع مخزون حقيقي يقترب من 12.4 مليار متر مكعب — وهو مستوى لم يُسجَّل منذ سنوات. ويُؤكد هذا الانتعاشُ أن سياسة السدود أثبتت متانتها وجدواها، إذ تمكّنت المنظومةُ من استيعاب موجات الأمطار الغزيرة لشتاء 2025-2026 واختزانها، بدلاً من أن تجرفها الأودية إلى البحر ضياعاً.
الدرس التاريخي: ثلاثةُ وستونَ عاماً من رؤية ثابتة
- ١ الاستمرارية بين الملوك: ما يُميّز التجربة المغربية حقاً هو أن الرؤية الهيدروليكية انتقلت بلا انقطاع من الحسن الثاني إلى محمد السادس، مُبرهِنةً على أن السياسة المائية الناجحة لا تبنيها حكومة بل تُشيّدها أجيال.
- ٢ الوقاية خير من العلاج: استثماراتُ السدود المُبكّرة جنّبت المغربَ كوارث هيدرولوجية كان ثمنُها الاجتماعي والاقتصادي أضعافاً مضاعفة مما كلّفه البناء.
- ٣ السيادة الغذائية شرطٌ للسيادة السياسية: أدرك الحسن الثاني مبكراً ما باتت تُقرّه اليوم كلُّ مدارس العلوم السياسية والاقتصادية: أن الدولة التي لا تُغذّي مواطنيها تُرهن استقلالها وسيادتها.
مقالات ذات صلة
- → الماء والجبل في المغرب: جبال الأطلس خزانُ الأمة المائي عبر التاريخ
- → سبع سنوات من الجفاف بالمغرب (2019–2025): تحليل تاريخي لأزمة مائية غير مسبوقة
- → «الطريق السريع للماء»: مشروع التحويل الهيدروليكي شمال-جنوب بالمغرب
- → أكبر محطة لتحلية المياه في أفريقيا: الدار البيضاء-عين عاتق (2028)
- → المغرب نائباً لرئيس البرنامج الدولي للهيدرولوجيا باليونسكو (2026)