المؤتمر العالمي للمياه التاسع عشر
مراكش — دجنبر 2025
في الفترة الممتدة من 8 إلى 12 دجنبر 2025، احتضنت مدينة مراكش الحمراء المؤتمر العالمي للمياه التاسع عشر، الموعد العلمي والدبلوماسي الأرفع مكانةً المخصص لإدارة الموارد المائية على المستوى الكوكبي. ونظّمت هذا الحدث الرباعي الجمعية الدولية للموارد المائية (AIRH — International Water Resources Association, IWRA)، التي تجمع الباحثين وصانعي القرار والمهندسين وفاعلي المجتمع المدني حول الرهانات المائية الكبرى للقرن الحادي والعشرين.
التواريخ
8–12 دجنبر 2025
المكان
مراكش، المغرب
المشاركون
+3 000 مندوب
الدول الممثَّلة
+120 دولة
أولاً: السياق العام والنشأة التاريخية للمؤتمر العالمي للمياه
تأسست الجمعية الدولية للموارد المائية (IWRA) عام 1972، وقد باتت منذ عام 1979 تُنظِّم المؤتمر العالمي للمياه الذي أضحى المنصة المرجعية للحوار العلمي والسياسي حول الإدارة المتكاملة للموارد المائية على المستوى الدولي. وتُعقد كل دورة في مدينة مضيفة مختلفة، تُختار على أساس الأهمية الاستراتيجية للمسألة المائية في سياقها الإقليمي.
إن اختيار مراكش لاحتضان الدورة التاسعة عشرة ليس اعتباطياً. فهو يندرج في امتداد مسار دبلوماسي بناه المغرب بصبر ومثابرة منذ تسعينيات القرن الماضي، مسار بلدٍ شبه جافٍّ (بلاد العطش) حوّل هشاشته المائية إلى خبرة معترف بها على الصعيد العالمي. وقد كان استضافة المغرب لمؤتمر الأطراف COP22 بمراكش عام 2016، الذي خُصص بامتياز لمسائل الماء والمناخ، إيذاناً مبكراً بهذه الوظيفة التي بات المغرب يضطلع بها كأرض جامعة للمفاوضات البيئية الكبرى.
إن الموضوع المحوري الذي اعتُمد للمؤتمر التاسع عشر — «Water for All: Ensuring Equitable Access in a Changing Climate» (الماء للجميع: ضمان الوصول المنصف في ظل تغيّر المناخ) — يتردد بحدة استثنائية على المستوى المغربي، الذي خرج لتوّه من جفاف تاريخي دام سبع سنوات متتالية (2019-2025)، بينما يُقدِم في الوقت ذاته على أضخم استثمارات هيدروليكية في تاريخه.
ثانياً: المغرب مضيفاً — ترشح استراتيجي محسوب
قدّم المغرب ترشّحه منذ عام 2021 بقيادة وزارة التجهيز والماء، بدعم من كتابة الدولة المكلفة بالماء وقطاع البيئة. واستند الترشح إلى حجج راسخة وثقيلة الوزن. أولاً، الموقع الجغرافي للمغرب عند ملتقى إفريقيا وأوروبا والعالم العربي يجعله مرصداً متميزاً للتحديات المائية المشتركة بين المناطق الجنوبية. ثانياً، المخطط الوطني للماء 2020-2050 — أضخم خطة استثمار هيدروليكي في تاريخ البلاد بغلاف مالي يبلغ 383 مليار درهم (نحو 38 مليار يورو) — يشهد على التزام ملموس يتجاوز الخطاب إلى الفعل.
الحجج المحورية للترشح المغربي
- الخبرة الهيدروليكية: يمتلك المغرب أكثف شبكة للسدود في أفريقيا، إذ يضم 154 سداً كبيراً بطاقة استيعابية تبلغ 19,8 مليار متر مكعب.
- الابتكار في تحلية المياه: تُجسّد محطة الدار البيضاء-عين عاتق المستقبلية (822 000 م³/يوم بحلول 2028) الطموح التكنولوجي المغربي في هذا المجال.
- الإدارة المتكاملة: أرسى القانون رقم 36-15 المتعلق بالماء (2016) دعائم حوكمة عصرية للموارد المائية وفق مقاربة الأحواض المائية.
- البُعد الأفريقي: يحمل المغرب صوت الدول الأفريقية في مواجهة تحديات الإجهاد المائي والتغير المناخي في المحافل الدولية.
ثالثاً: المحاور والأطر العلمية للمؤتمر
تمحور البرنامج العلمي للمؤتمر التاسع عشر حول ستة محاور موضوعية كبرى، تعكس الهواجس المائية الراهنة:
الماء والتغير المناخي
نمذجة التأثيرات المناخية على الأنظمة الهيدرولوجية، وتكييف البنيات التحتية الهيدروليكية، وتدبير الظواهر المتطرفة (جفافاً وفيضانات)، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر للأحواض المائية الهشة.
الأمن المائي والوصول المنصف
الحق في الماء (حق الماء)، والتفاوتات الإقليمية في الوصول إلى الموارد، والسياسات التعريفية وآليات التضامن بين الأحواض. وقد قُدّم نموذج المغرب بتحويله الشمالي-الجنوبي البالغ 484 مليون م³/سنة باعتباره نموذجاً في إعادة التوازن الترابي.
الحلول القائمة على الطبيعة
استعادة الأراضي الرطبة، وإعادة الشحن الاصطناعي للمياه الجوفية، والزراعة الحراجية، والممارسات التقليدية في تدبير المياه بالمغرب العربي (السواقي والخطارات).
تحلية المياه والموارد غير التقليدية
التطورات التكنولوجية في التناضح العكسي، وخفض البصمة الكربونية لمنشآت التحلية، وإعادة استخدام المياه المعالَجة للري، وحوكمة المحاليل الملحية (مخلفات التحلية).
الماء والغذاء والطاقة (الترابط الثلاثي)
تحسين الري الزراعي (القطاع الذي يستنزف 80% من استهلاك الماء بالمغرب)، والكهرباء المائية، والزراعة الشمسية، والإدارة المتكاملة للموارد في أفق التنمية المستدامة.
الحوكمة ودبلوماسية الماء
التعاون العابر للحدود على الأحواض المشتركة، ودور المنظمات الإقليمية الأفريقية، والتمويل المناخي للمشاريع الهيدروليكية في دول الجنوب، وتنزيل هدف التنمية المستدامة رقم 6 (الماء النظيف والصرف الصحي).
رابعاً: أبرز النتائج والإعلانات
في ختام أشغال المؤتمر، أقرّ المندوبون إعلان مراكش للماء، وهو وثيقة مرجعية تدعو إلى تعبئة أوسع للتمويلات المناخية لصالح قطاع الماء في دول الجنوب. وقد أبرز هذا الإعلان مبدأ «العدالة المائية» (water justice)، مؤكداً أن الفئات الأكثر هشاشةً أمام الإجهاد المائي هي في الغالب تلك التي تُسهم بأقل نسبة في انبعاثات الغازات الدفيئة.
أبرز بنود إعلان مراكش
- ◆ الدعوة إلى مضاعفة التمويلات الدولية المخصصة للبنيات التحتية للماء والصرف الصحي في الدول منخفضة الدخل بحلول عام 2030.
- ◆ الاعتراف بتحلية المياه المعتمدة على الطاقات المتجددة حلاً قابلاً للتطبيق للمناطق الساحلية التي تعاني إجهاداً مائياً حاداً.
- ◆ الالتزام بصون وتثمين الأنظمة التقليدية لتدبير الماء في شمال أفريقيا والشرق الأوسط (الخطارات والسواقي والفقارات).
- ◆ الدعوة إلى إدماج بُعد الماء بصورة منهجية في المساهمات الوطنية المحددة (CDN) المقدَّمة في إطار اتفاق باريس.
- ◆ دعم تعزيز دور البرنامج الهيدرولوجي الدولي (PHI) لليونسكو في التنسيق العلمي الدولي.
خامساً: الانعكاسات على الاستراتيجية المائية المغربية
يُمثّل تنظيم المؤتمر العالمي للمياه التاسع عشر بمراكش أكثر بكثير من مجرد رمز دبلوماسي للمغرب. إنه فرصةٌ لتوطيد مكانة المملكة بوصفها قوة هيدروليكية إقليمية، ولعرض المنجزات المُحققة في إطار المخطط الوطني للماء 2020-2050 أمام الجماعة العلمية الدولية.
في هذا الإطار، تمكّن المغرب من إبراز عدد من الأوراش الكبرى: برنامج التحلية الواسع النطاق على الواجهتين الأطلسية والمتوسطية، وأشغال الربط بين الأحواض المائية من الشمال نحو الجنوب («الطريق السريع للماء» الذي يصل سبو بتانسيفت)، وسياسة اقتصاد الماء في القطاع الفلاحي الرامية إلى تخفيض الاستهلاك الزراعي من 80% إلى 65% من مجموع الطلب بحلول 2030.
كما أتاحت الدورة المراكشية للمغرب فرصة تمتين شراكاته الثنائية مع عدد من الدول الأفريقية في مجال التعاون التقني للماء، في امتداد مبادرات الملك محمد السادس للتعاون جنوب-جنوب القائم على تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا.
مقالات ذات صلة على fardane.com
منظور تاريخي
«عرف المغرب دائماً علاقة عميقة وتأسيسية مع الماء. من حضارة الخطارات في تافيلالت إلى السدود الكبرى في القرن العشرين، أبدع كل عصر استجابته الجماعية لتحديات الشُّح. والمؤتمر التاسع عشر بمراكش يندرج في هذا الامتداد الحضاري الممتد لألفيات، بينما يُطلق المغرب بصره نحو حلول القرن الحادي والعشرين.»
— تركيب تحريري من هيئة تحرير fardane.com