«الطريق السريع للماء» بالمغرب
التحويل الهيدروليكي شمالاً-جنوباً — 484 مليون م³/سنة
يُشكّل مشروع الربط بين الأحواض المائية بالمغرب، المُلقَّب بـ«الطريق السريع للماء»، أضخمَ بنيةٍ تحتية هيدروليكية أُنجزت في تاريخ المملكة. ويهدف إلى تحويل 484 مليون متر مكعب من الماء سنوياً من الأحواض الشمالية الوفيرة نسبياً (سبو، اللكوس، أبي رقراق) نحو الأحواض الجنوبية العاجزة في الوسط والجنوب (تانسيفت، سوس-ماسة، درعة-تافيلالت). وهو مشروع تضامن مائي بامتياز على المستوى الوطني.
الحجم المُحوَّل/السنة
484 م
م³/سنة
طول القنوات
~500 كم
من القنوات والناقلات
الأحواض المرتبطة
٨
أحواض مائية
أولاً: الاختلال الهيدرولوجي التاريخي بالمغرب
لإدراك ضرورة مشروع التحويل الهيدروليكي الكبير، لا بد من استيعاب إحدى الحقائق الجغرافية الأكثر جوهريةً في المغرب: التفاوت الفضائي الحاد في توزيع الموارد المائية. وهذا التفاوت هو نتاج مباشر لجيومورفولوجية البلاد والدورة الجوية في المنطقة الشمالية الأطلسية والمتوسطية.
يتلقى شمال غرب المغرب — الذي تهيمن عليه سلسلة الريف وسفوح الأطلس المتوسط — تساقطاتٍ وافرة نسبياً تتراوح بين 500 و1 800 ملم/سنة حسب المناطق. وتستنزف أحواض اللكوس وسبو وأبي رقراق مسطحاتٍ واسعة بمتوسطات جريان ذات شأن. ويُعدّ حوض سبو بمساحته البالغة 40 000 كلم² ومعدل جريانه البالغ 5,7 مليار م³/سنة، الحوضَ الأوفر حظاً على الإطلاق في الموارد المائية القابلة للتعبئة.
في المقابل، يُسجّل وسط وجنوب المغرب نظاماً تساقطياً شبه جاف إلى جاف. لا يتلقى حوض سوس-ماسة سوى 300 إلى 500 ملم/سنة في شطره الشمالي، وتتراجع هذه التساقطات بسرعة نحو الجنوب وصولاً إلى أحوال الصحراء الأطلسية. ومع ذلك تتمركز في هذه المناطق الجنوبية أنشطةٌ اقتصادية بالغة الأهمية الوطنية — في مقدمتها الزراعة المكثفة تحت البيوت البلاستيكية في جهة سوس-ماسة، أولى مُصدِّرة للخضروات المبكرة نحو أوروبا — مما يُلقي بضغط هائل على فرشات مائية باطنية مستنزَفة بشكل مفرط.
التفاوت شمالاً-جنوباً: الأرقام الدالة
حوض سبو
5,7 مليار م³/سنة — 25% من المياه السطحية بالمغرب
حوض تانسيفت
1,2 مليار م³/سنة — عجز مزمن أمام الاحتياجات الفلاحية
حوض سوس-ماسة
فرشات مستنزَفة بنسبة 50 إلى 100%: استنزاف مزمن
المصادر: قطاع الماء، وزارة التجهيز والماء بالمغرب، 2023.
ثانياً: السياق التاريخي — التحويلات بين الأحواض بالمغرب
لا تُعدّ فكرة الربط الهيدروليكي شمالاً-جنوباً جديدةً في الفكر الهيدروليكي المغربي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، رصد مهندسو المكتب الوطني للسقي (ONI) التكاملَ بين الأحواض الشمالية الوفيرة والأحواض الجنوبية العاجزة باعتباره إحدى الحلول الهيكلية لمشكلة التوزيع غير المنصف للموارد المائية.
تحقّق أول تحويل هيدروليكي كبير بين الأحواض في المغرب خلال تسعينيات القرن الماضي، مع إنجاز الناقل سبو-أبي رقراق، الذي يتيح نقل مياه حوض سبو (عبر سد علال الفاسي) نحو حوض أبي رقراق لتغذية المنطقة الحضرية الرباط-سلا-القنيطرة. وقد أثبت هذا التحويل الجدوى التقنية والاقتصادية لمثل هذه المشاريع على النطاق الواسع.
في مطلع الألفية الثالثة، أنجز المغرب كذلك التحويل سبو-تانسيفت-الحوز، الذي أتاح إرسال مياه الشمال نحو سهل الحوز لدعم التزود بالماء الصالح للشرب لمدينة مراكش والمناطق السقوية المحيطة بها. وقد وفّرت هذه التجارب المتراكمة الإطارَ المفاهيمي والتقني والمؤسساتي الذي يرتكز عليه الطموح الأوسع بكثير لـ«الطريق السريع للماء» في القرن الحادي والعشرين.
ثالثاً: المشروع الراهن — الهندسة المعمارية والمكونات
يُخطِّط مشروع ربط الأحواض المائية المُدرَج في المخطط الوطني للماء 2020-2050 لإنشاء شبكة من القنوات والأنفاق ومحطات الضخ والناقلات، تُتيح إعادة توزيع 484 مليون م³ سنوياً من الأحواض الشمالية نحو المناطق العاجزة.
المقطع سبو–أبي رقراق–أم الربيع
توسيع وتعزيز منظومة الناقل القائمة. الطاقة التحويلية: 200 مليون م³/سنة من سد علال الفاسي (سبو) نحو حوضَي أبي رقراق وأم الربيع. يُتيح تخفيف الضغط على سد المسيرة الذي يُغذي الدار البيضاء بالماء.
المقطع أم الربيع–تانسيفت (المحور الأوسط)
بنية تحتية جديدة تتيح تحويل 150 مليون م³/سنة نحو حوض تانسيفت (مراكش وسهل الحوز). يستند هذا المحور على إنشاء قناة مفتوحة كبرى ومحطة ضخ رئيسية بالقرب من أيت أورير.
المقطع تانسيفت–سوس-ماسة (المحور الجنوبي)
المكوّن الأشد تعقيداً في المشروع، إذ يستلزم اختراق الأطلس الكبير بأنفاق جوفية. الحجم المستهدف: 134 مليون م³/سنة لتخفيف الضغط على فرشات السوس المستنزَفة وتأمين التزود بالماء الصالح للشرب في إقليم أكادير وتارودانت وتيزنيت.
رابعاً: التحديات التقنية والجيولوجية
يكمن التحدي التقني الأبرز للمقطع الجنوبي في اختراق الأطلس الكبير، سلسلة الجبال التي تتجاوز قممها 4 000 متر وتتشابك جيولوجيتها المعقدة — من صخور شيستية وكلسية وتكوينات نارية — لتُصعِّب حفر أنفاق بالغة الطول. ويدرس المهندسون عدة مسارات بديلة، من بينها نفق قاعدي مماثل للأنفاق الألبية الكبرى، قد يبلغ طوله أكثر من 30 كيلومتراً.
كما يُشكّل الجانب الطاقي تحدياً محورياً آخر. فضخّ ملايين الأمتار المكعبة من الماء عبر مئات الكيلومترات مع التغلب على فوارق ارتفاع ملموسة يستنزف كميات هائلة من الطاقة الكهربائية. ويُقدّر المخطط الوطني للماء 2020-2050 أن تُغذَّى محطات ضخ الناقلات بين الأحواض بالطاقات المتجددة — شمسية وريحية — في سياق الاستراتيجية الطاقية الوطنية الرامية إلى 52% من الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي بحلول 2030.
الرهانات الاجتماعية والترابية
يُثير التحويل الهيدروليكي مسائل حوكمة ترابية دقيقة وحساسة. فالسكان المجاورون لأحواض المصدر (شمال المغرب) يحق لهم أن يتساءلوا عن الضمانات المكفولة لهم لتلبية احتياجاتهم المستقبلية قبل أن تُنقل المياه «الفائضة» نحو الجنوب. وإن تعريف «الفائض» ذاته عملية بالغة التعقيد رهينة بالسيناريوهات الهيدرولوجية والمناخية المعتمدة.
لقد أوجد القانون رقم 36-15 المتعلق بالماء آليات للحوكمة بين الأحواض واستشارة وكالات الأحواض المائية (ABH) لضبط هذه التحويلات. ويضطلع المجلس الأعلى للماء والمناخ بدور محوري في التحكيم بين مصالح الجهات المختلفة.
خامساً: الدلالة التاريخية والمقارنة مع تجارب دولية
تُعدّ التحويلات الهيدروليكية الكبرى بين الأحواض من أعظم منجزات الهندسة البشرية. ففي إسبانيا، ينقل نظام تحويل تاجه-سيغورة منذ 1979 ما يصل إلى 600 مليون م³/سنة من نهر تاجه نحو المناطق الجافة في مورسيا وألكانتي. وفي الصين، يُخطِّط مشروع «النقل المائي جنوب-شمال» — أضخم منشأة هيدروليكية في التاريخ — لنقل 44,8 مليار م³/سنة عبر 1 200 كيلومتر من نهر اليانغتسي نحو المناطق الجافة في الشمال.
ينتسب المشروع المغربي بـ484 مليون م³/سنة إلى هذا التقليد العريق للاختيارات الجماعية الكبرى في الهندسة الهيدروليكية. غير أنه يتميز عنها بطموح الاستدامة الذي يُعرِّفه جوهرياً: إدماج منهجي للطاقات المتجددة لتغذية محطات الضخ، وصون التدفقات البيئية في مجاري الأحواض المصدر، والتكامل المُعلَن مع برنامج التحلية الذي سيُغذي المناطق الساحلية الأكثر اكتظاظاً.
بهذا المعنى، لا يُمثّل «الطريق السريع للماء» المغربي حلاً منفرداً، بل يُشكّل مكوّناً في هندسة مائية متكاملة، تُسهم فيها كل آلية — من سدود وتحلية وتحويلات بين أحواض وإعادة استخدام للمياه المعالجة واقتصاد في الاستهلاك — في بناء سيادة مائية راسخة ومرنة للأجيال القادمة.