المغرب — نائب رئيس البرنامج الهيدرولوجي الدولي لليونسكو
ولاية ثانية متتالية — البرنامج الهيدرولوجي الدولي (PHI — IHP)
يُمثّل تجديد اختيار المغرب لـولاية ثانية متتالية في منصب نائب رئيس البرنامج الهيدرولوجي الدولي (PHI) لليونسكو اعترافاً دولياً من الدرجة الأولى. وهو يُعبّر عن الثقة التي تمنحها مجموعة الدول الأعضاء في اليونسكو للخبرة المائية المغربية وقدرتها على حمل صوت متوازن بين مناطق العالم، والتزامها الصادق بتوظيف علوم الماء في خدمة التنمية المستدامة.
المنصب
نائب رئيس البرنامج الهيدرولوجي الدولي / اليونسكو
الولاية
الولاية الثانية المتتالية (2026–2028)
المجموعة الإقليمية
الدول العربية / أفريقيا
أولاً: البرنامج الهيدرولوجي الدولي لليونسكو — نظرة شاملة
أُنشئ عام 1975 ليخلف العقد الهيدرولوجي الدولي (1965-1974)، ويُعدّ البرنامج الهيدرولوجي الدولي (PHI) — بالإنجليزية International Hydrological Programme (IHP) — البرنامجَ الحكومي الدولي الوحيد في اليونسكو المخصص حصراً للبحث والتكوين والإدارة في مجال الماء والموارد المائية. ويُشكّل الإطارَ المتعدد الأطراف المرجعي للتعاون العلمي الدولي في الهيدرولوجيا.
منذ نشأته، تطوّر البرنامج عبر مراحل متتالية، كلٌّ منها تعكس الهواجس العلمية والسياسية لعصرها. وتتمحور المرحلة التاسعة من البرنامج الهيدرولوجي الدولي (2022-2029)، المُعنوَنة بـ«Science for a Water Secure World in a Changing Environment» (العلم في خدمة عالم آمن مائياً في بيئة متغيّرة)، حول خمسة محاور أولوية:
المحاور الخمسة لبرنامج PHI-IX (2022–2029)
- ١ الماء والتغيرات المناخية: فهم التحولات في الأنظمة الهيدرولوجية وتوقّعها في ظل الاحترار المناخي، وتطوير أدوات دعم القرار للتكيف.
- ٢ الماء والمدن الكبرى والتحضر: إدارة الموارد المائية في سياقات التحضر المتسارع، والوقاية من مخاطر الفيضانات الحضرية.
- ٣ الماء والغذاء والطاقة: مقاربة متكاملة للترابط ماء-غذاء-طاقة بغية تحسين الموارد في ظل تنافس متصاعد بين الطلبات.
- ٤ الماء والمخاطر والمجتمعات المرنة: تقليص مخاطر الكوارث الطبيعية ذات الأصل المائي (فيضانات وجفاف وانزلاقات أرضية) وتعزيز صمود المجتمعات الهشة.
- ٥ النظم الإيكولوجية المائية والماء: صون واستعادة النظم الإيكولوجية المرتبطة بالماء (أراضٍ رطبة ومجاري مائية وخزانات جوفية) بوصفها أساسَ الأمن المائي طويل الأمد.
يضم البرنامج الهيدرولوجي الدولي 193 دولة عضواً في اليونسكو، مُوزَّعة على ثماني مجموعات إقليمية لأغراض الانتخابات في المجلس الحكومي الدولي، الجهاز المُوجِّه للبرنامج. ويجلس المغرب ضمن مجموعة الدول العربية، مع الحفاظ على روابط وثيقة مع المجموعة الأفريقية في أنشطته للتعاون العلمي.
ثانياً: المغرب ودبلوماسية الماء — مسار مبني بتأنٍّ
لا يعود انخراط المغرب في الحوكمة المائية الدولية إلى أمد قريب. فهو يندرج في مسار دبلوماسي بُني تدريجياً منذ تسعينيات القرن الماضي، أكّدت فيه المملكة المغربية حضورها في كبرى الهيئات العالمية والإقليمية المعنية بتدبير الموارد المائية.
شارك المغرب في تأسيس المجلس العالمي للمياه (CME) لحظة إنشائه بمراكش عام 1994 — وهو توافق جغرافي لا يخلو من دلالة. ومنذ ذلك الحين، احتضنت المملكة عدة منتديات ومؤتمرات دولية كبرى حول الماء: المنتدى العالمي للمياه (الذي انعقدت دورته الأولى بمراكش عام 1997)، ومؤتمر الأطراف COP22 بمراكش (2016) المخصص للروابط بين الماء والتغير المناخي، والمؤتمر العالمي للمياه التاسع عشر لـIWRA بمراكش في دجنبر 2025.
على الصعيد المؤسساتي، طوّر المغرب خبرة وطنية رفيعة المستوى تتجسّد في مؤسسات مرجعية عدة: المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)، ووكالات الأحواض المائية (ABH)، ومديرية البحث والتخطيط المائي (DRPE)، ومراكز بحث متخصصة. وتُوفّر هذه المنظومة المؤسساتية الركيزةَ التي تنبني عليها مصداقية المغرب في المفاوضات والمنتديات الدولية للماء.
محطات دبلوماسية الماء المغربية
ثالثاً: أبعاد الولاية الثانية — المسؤوليات والأولويات
لا يكون تجديد اختيار المغرب نائباً للرئاسة تلقائياً: فهو نتاج تصويت الدول الأعضاء الدال على ثقة متجددة وأوسع. وتفتح هذه الولاية الثانية آفاق عمل أكثر طموحاً في ثلاثة مجالات أولوية:
تعزيز صوت أفريقيا في الحوكمة المائية العالمية
تحتضنُ القارةُ الأفريقيةُ غالبيةَ الدولِ التي تعاني إجهاداً مائياً حاداً وعجزاً في الوصول إلى الماء والصرف الصحي. ويعتزم المغرب، بوصفه دولة رابطة بين أفريقيا جنوب الصحراء والعالم العربي، توظيف موقعه في البرنامج الهيدرولوجي الدولي لتضخيم الأصوات الأفريقية في قرارات التمويل والبرمجة العلمية الدولية.
النهوض بالعلوم الهيدرولوجية في دول الجنوب
يُعدّ نقل الكفاءات العلمية والتكنولوجية في الهيدرولوجيا إلى الدول النامية من المهام الجوهرية للبرنامج الهيدرولوجي الدولي. ويسعى المغرب إلى تكثيف التبادلات الأكاديمية وبرامج التكوين عبر المراكز الإقليمية للتكوين في علوم الماء (CAZALAC وRCUWM وغيرها) التي يدعمها البرنامج في مناطق مختلفة من العالم.
تثمين الموروث المائي التقليدي في المغرب العربي
يعتزم المغرب تقديم مبادرة داخل البرنامج الهيدرولوجي الدولي تستهدف توثيق الأنظمة الهيدروليكية التقليدية في المغرب العربي والعالم العربي — الخطارات والسواقي والفقارات والقنوات — وتثمينها تراثاً هيدروليكياً للإنسانية ومنبعاً للإلهام في الحلول المحلية للتكيف مع التغير المناخي. وتنطوي هذه المنظومات العريقة على دروس نفيسة حول الإدارة المستدامة للموارد في البيئات الجافة.
رابعاً: البرنامج الهيدرولوجي الدولي وهدف التنمية المستدامة رقم 6 — العلم في خدمة الوصول الشامل للماء
أحد المحاور المركزية للبرنامج الهيدرولوجي الدولي في مرحلته التاسعة هو دعم تنفيذ هدف التنمية المستدامة رقم 6: «ضمان توفر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها بصورة مستدامة». وفي عام 2026، مع عقد لا يزال قائماً حتى موعد الاستحقاق 2030، تبقى تقارير المرحلة الوسيطة مُقلِقة: وفقاً لـUN-Water، لا يزال نحو 2,2 مليار شخص محرومين من الماء الصالح للشرب المُدار بصورة آمنة، فيما يفتقر 3,5 مليار آخرون إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية.
في هذا السياق، يغدو دور البرنامج الهيدرولوجي الدولي محورياً لتوفير الأسس العلمية التي تُوجِّه الاستثمارات والسياسات نحو المناطق والفئات الأكثر هشاشة. ويترافق الحضور المغربي في منصب نائب رئاسة البرنامج مع التزام بالمساهمة الفاعلة في إنتاج البيانات الهيدرولوجية الموثوقة ونشرها للدول التي تعاني حتى الآن من نقص في شبكات القياس وطاقات التحليل الضرورية.
الماء: رهان السيادة والتعاون
«الماء هو في آن واحد أكثر الخيرات شيوعاً وأكثر الموارد توزيعاً بصورة غير عادلة. إن العلوم الهيدرولوجية الدولية، التي يحملها البرنامج الهيدرولوجي الدولي لليونسكو، تضطلع بمهمة تقليص هذا الظلم الجوهري عبر تزويد الدول بأدوات المعرفة والحوكمة التي تُمكّنها من ضمان حق الماء لشعوبها — وهو حق اعترفت به الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 2010.»
— من إعداد هيئة تحرير fardane.com
خامساً: خلاصة — المغرب فاعلاً مسؤولاً في الحوكمة المائية العالمية
يُجسّد تجديد اختيار المغرب نائباً للرئاسة في البرنامج الهيدرولوجي الدولي لليونسكو تقاطعَ ديناميكيات عدة: التزام سياسي طويل الأمد في أعلى مستويات الدولة لجعل مسألة الماء أولويةً وطنيةً ودولية؛ وخبرة تقنية وعلمية متراكمة في إدارة الموارد المائية في الظروف شبه الجافة؛ وطموح جيوسياسي للاضطلاع بدور الجسر بين مناطق العالم الأشد هشاشةً أمام الإجهاد المائي.
تأتي هذه الولاية الثانية في لحظة فاصلة في السياسة المائية للمغرب. فالمملكة تخرج لتوّها من جفاف تاريخي دام سبع سنوات، وتُقدِم على أضخم أوراش هيدروليكية في تاريخها (تحلية الدار البيضاء-عين عاتق، وربط الأحواض شمالاً-جنوباً)، وتُنضِج تفكيراً جوهرياً حول السيادة المائية في سياق تغير مناخي متسارع.
وبحمل هذه التجارب والدروس إلى أروقة البرنامج الهيدرولوجي الدولي، يُسهم المغرب في إثراء التراث العلمي الجماعي للإنسانية حول الماء — مُكرّساً بذلك تقليداً ألفياً في الحضارة الهيدروليكية لا تزال أجلى آثاره ماثلة في خطارات تافيلالت وسواقي مراكش.