الجفاف الكبير بالمغرب (2019–2025)
سبع سنوات من الابتلاء — نهاية رسمية: يناير 2026
في يناير 2026، وبعد سبع سنوات من جفاف تاريخي أنهك معدلات امتلاء السدود وأفرغ الفرشات الباطنية وزعزع التوازنات الغذائية للبلاد، أعلنت الأمطار الغزيرة لخريف-شتاء 2025-2026 رسمياً نهاية هذه الحلقة القاحلة الاستثنائية. وقفةٌ تحليلية عند أزمة أجبرت المغرب على إعادة التفكير الجذري في سياسته المائية.
المدة
٧ سنوات
2019–2025
متوسط امتلاء السدود
~23%
مستوى حرج عام 2022
النصيب الفردي (2025)
565 م³
/ساكن/سنة
النصيب الفردي (الستينيات)
2 560 م³
/ساكن/سنة
أولاً: الجفاف في التاريخ الطويل للمغرب
الجفاف ليس ظاهرةً مستجدة في المغرب. فالحوليات التاريخية والمصادر الهيدروغرافية والأرشيفات الإدارية كلها تشهد على تكرار الأزمات المائية عبر الحقب، وهي أزمات كثيراً ما تزامنت مع اضطرابات سياسية واجتماعية كبرى. إن استيعاب جفاف 2019-2025 في حجمه الحقيقي يقتضي إعادته إلى هذا الزمن الطويل.
تتحدث المصادر العربية الوسيطة عن سنين القحط بوصفها محناً دورية تعصف بـالمغرب الأقصى. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته (القرن الرابع عشر الميلادي) إلى الآليات التي كانت الجفوف المتتالية تُوهن بها البنيات القبلية والسلالية في المغرب، مُرغِمةً السكان على الهجرة نحو المدن أو المناطق الأكثر رطوبة في التل. ولعل الجفاف الكبير لمنتصف القرن السابع عشر، المعاصر للحروب الاستخلافية وأفول الأسرة السعدية، كان من أشد الجفوف دماراً في تاريخ المغرب الوسيط والحديث.
في العصر المعاصر، عرف المغرب عدة حلقات جفاف كبرى موثَّقة بالأرصاد الهيدرولوجية الحديثة:
جفاف سنوات 1944–1947
أزمة غذائية حادة في سياق استعماري. أفضت الأمطار الشحيحة إلى مجاعات موضعية في مناطق الريف والهضاب الوسطى، فاقمها الاستنزاف الغذائي المرتبط بالمجهود الحربي للحلفاء. وشكّل هذا الحدث أحد العوامل المُحرِّكة لأولى المطالبات الوطنية.
جفاف سنوات 1980–1984
أول جفاف كبير في عهد ما بعد الاستقلال. خفّفت السدود المُنشأة حديثاً من وطأة الصدمة جزئياً، غير أن الإنتاج الحبوبي الوطني تراجع بنسبة 60% في بعض السنوات. وقد عجّلت هذه الأزمة بالنزوح القروي نحو الدار البيضاء وكبريات المدن.
جفاف سنوات 1992–1995
ثلاث سنوات متتالية من العجز التساقطي الحاد. تراجع معدل امتلاء السدود إلى ما دون 30% عام 1995. اضطرّ المغرب إلى استيراد الحبوب بكميات ضخمة واللجوء إلى أسواق التوريد الفورية لتأمين الماء الصالح للشرب في عدد من المدن.
جفاف سنوات 2005–2007
حلقة جفاف بارزة، مُنبِّئة بالتوجهات المناخية الآتية. شهدت أول تعبئة سياسية ذات شأن حول التكيف مع التغيرات المناخية، مما أفضى إلى صياغة الاستراتيجية الوطنية للماء (2009).
الجفاف الكبير 2019–2025 — الأشد في التاريخ الحديث
سبع سنوات متتالية من عجز التساقطات. وهو أطول حلقة جفاف وأشدها وطأة منذ بدء الرصد المنهجي للطقس بالمغرب. تميّزت بدرجات حرارة استثنائية زادت من معدلات التبخر-النتح، ودفعت المغرب إلى إطلاق أضخم برنامج هيدروليكي في تاريخه.
ثانياً: انهيار النصيب الفردي من الماء — مسار ينذر بالخطر
إن كان جفاف 2019-2025 يُمثّل ذروة أزمة حادة، فإنه يندرج في سياق تدهور هيكلي طويل الأمد للموارد المائية المتاحة للفرد بالمغرب. ويستحق هذا المسار التحليلَ في امتداده الكامل لفهم لماذا اتسعت الاستجابة المغربية للأزمات المائية تدريجياً لتشمل برنامج استثمار شامل وبنيوي.
تطور النصيب الفردي من الماء بالمغرب (1960–2025)
عتبة «شُح الماء» (البنك الدولي): 1 000 م³/ساكن/سنة — عتبة «الشُّح المطلق»: 500 م³/ساكن/سنة
ينبثق هذا التطور عن تضافر عاملين متغايرَي الاتجاه. من جهة، الضغط الديمغرافي: قفز عدد سكان المغرب من 11 مليون نسمة عام 1960 إلى 37 مليوناً عام 2025، أي أكثر من ثلاثة أضعاف، مما خفّض النصيب الفردي آلياً حتى لو ظلت الموارد المتاحة ثابتة. ومن جهة أخرى، التغير المناخي أفضى فعلياً إلى تراجع الموارد المتاحة، مع انخفاض الأمطار المتوسطة مُقدَّر بين 15 و25% في بعض الأحواض منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ثالثاً: تشريح جفاف 2019–2025
تميّز جفاف 2019-2025 عن الحلقات الجافة السابقة بامتداده الزمني ووسعه الجغرافي وعمق العجز المائي التراكمي. كانت التساقطات دون المعدل الطبيعي في جميع الأحواض الهيدرولوجية بالمغرب طوال خمس سنوات على الأقل من أصل سبع سنوات للحلقة، مع نواقص مائية بالغة الحدة في أحواض تانسيفت وسوس-ماسة وأم الربيع.
كان الأثر على خزانات السدود مُدمِّراً. فمعدل الامتلاء الإجمالي لمنظومة تخزين السدود المغربية، الذي بلغ 65% في غشت 2018، تراجع إلى 23,5% في دجنبر 2022 — وهو أدنى مستوى له منذ الشروع في تشغيل السدود الكبرى. وكاد عدد من المنشآت في حوض تانسيفت وسوس-ماسة أن يُفرَّغ كلياً، مما دفع السلطات إلى تفعيل خطط التقنين وتقييد الاستخدامات غير الضرورية.
التداعيات القطاعية لجفاف 2019–2025
الزراعة
- ◆ خسائر حبوبية تراوحت بين 40 و70% حسب السنوات
- ◆ تقليص حاد للمساحات المسقية في مناطق الإجهاد
- ◆ استنزاف مفرط للفرشات الباطنية في سوس والحوز
الماء الصالح للشرب الحضري
- ◆ قيود على التوزيع في مئات الجماعات القروية
- ◆ التزود بواسطة الصهاريج في المناطق الأشد تضرراً
- ◆ تفعيل خطة طوارئ الماء لمراكش عام 2023
الطاقة الكهرومائية
- ◆ تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية بنسبة 60 إلى 80% عن المعدل الطبيعي
- ◆ ارتفاع واردات الكهرباء من إسبانيا
النظم الإيكولوجية
- ◆ جفاف أراضٍ رطبة معترف بأهميتها الدولية (رامسار)
- ◆ تدهور متسارع للغطاء الغابوي في المناطق الجبلية
- ◆ تملّح الفرشات الساحلية بفعل التسرب البحري
رابعاً: الاستجابة الوطنية — قرارات تاريخية بدفع ملكي
أمام هول الوضع، أشرف الملك محمد السادس شخصياً على رسم توجهات برامج الطوارئ والتدابير البعيدة المدى المُعتمدة في مواجهة الأزمة وتتبّعها. وقد حدّدت خطب العرش والرسائل الملكية إلى الوزراء المعنيين مساراً واضحاً لتسريع المشاريع الهيدروليكية الهيكلية وتعبئة التمويلات الضرورية.
عام 2022، أطلقت الحكومة البرنامج الوطني للتزود بالماء الصالح للشرب والري (PNAEP) 2020-2027 بغلاف مالي مُراجَع بلغ 143 مليار درهم على الفترة المحددة، مُستهدِفاً بالدرجة الأولى تسريع التحلية وتعزيز التحويلات بين الأحواض وبناء سدود تلية لإعادة شحن الفرشات وتحديث شبكات التوزيع لتقليص الخسائر (التي بلغت 40% في بعض المنظومات).
خامساً: نهاية الجفاف (يناير 2026) والدروس المستخلَصة
أحدث خريف 2025 تحولاً جذرياً في المشهد. إذ هطلت أمطار سخية بفعل منخفضات أطلسية متتالية منذ شهر نونبر على الشمال والوسط المغربي. وفي يناير 2026، تجاوز معدل امتلاء السدود 45%، مُعلِناً رسمياً نهاية حقبة الجفاف. وسجّلت بعض الأحواض كحوضي سبو وأبي رقراق روافد قريبة من معدلاتها التاريخية.
لا ينبغي لـ«الخروج من الجفاف» هذا أن يُوهِم. فالخبراء متوافقون على أن الهشاشة المائية الهيكلية للمغرب لا تتبدد بأولى الأمطار الغزيرة. فالإجهادُ المائي للمغرب واقعٌ جيوفيزيائي وديمغرافي طويل الأمد يتعين على الاستثمارات الجارية استيعابه دون أدنى تراخٍ في المجهود.
دروس الأزمة لصياغة سياسة الماء
- ١ التنويع ضرورة لا رفاهية: أثبت الجفاف أن اقتصاد الماء القائم في جوهره على موارد مطرية هو اقتصادٌ هشٌّ بالضرورة. إن التوجه نحو التحلية وإعادة استخدام المياه المعالَجة لا يُمثّل ترفاً بل حاجة وجودية.
- ٢ اقتصاد الماء في الزراعة: يتعين على الزراعة المغربية المستنزِفة لـ80% من الماء أن تُكمل سريعاً تحوّلها نحو تقنيات الري الاقتصادي (التنقيط والرش الموضعي)، والتي ينبغي تعميمها بآليات تحفيزية فعّالة.
- ٣ حوكمة الأزمة: كشفت التجربة عن أهمية إطار حوكمة وقائي ومُستجيب، يشمل آليات تقييد استخدام الماء قابلة للتفعيل السريع، وأنظمة إنذار مبكر مبنية على الرصد المستمر للفرشات وتدفقات الفيضانات.
- ٤ التضامن الترابي: سلّطت التفاوتات الجهوية أمام الجفاف الضوءَ على ضرورة مواساة مائية وطنية أعمق، وهو بالضبط ما يستهدفه المشروع الكبير للتحويل بين الأحواض شمالاً-جنوباً.