محطة تحلية المياه بالدار البيضاء-عين عاتق
الأكبر في أفريقيا — الطاقة الإنتاجية: 822 000 م³/يوم بحلول 2028
على بُعد كيلومترات قليلة جنوب الدار البيضاء، على الساحل الأطلسي قرب عين عاتق (جماعة دار بوعزة)، يتشكّل ورشٌ عملاق. ستكون محطة تحلية مياه الدار البيضاء عند اكتمالها ليس فقط أكبر منشأة لإنتاج المياه العذبة من مياه البحر في أفريقيا، بل من أضخم المحطات في حوض البحر الأبيض المتوسط. وهي تُجسّد التحوّل الاستراتيجي للمغرب نحو الموارد المائية غير التقليدية.
الطاقة النهائية (2028)
822 000
م³/يوم
السكان المستفيدون
+7 م
ساكن (الدار البيضاء الكبرى-سطات)
تشغيل المرحلة الأولى
2027
300 000 م³/يوم
أولاً: السياق — المغرب في مواجهة الإجهاد المائي الهيكلي
يقتضي استيعاب حجم مشروع الدار البيضاء-عين عاتق استحضارَ الحقائق الهيدرولوجية الجوهرية للمغرب. فقد شهد النصيب الفردي من الماء تراجعاً مُحزناً على امتداد القرن الماضي: من 2 560 م³/ساكن/سنة في الستينيات، هوى إلى نحو 565 م³/ساكن/سنة عام 2025 — وهو ما يقع دون عتبة «فقر الماء» التي حددها البنك الدولي بـ 1 000 م³/ساكن/سنة. ويتموضع المغرب اليوم ضمن أكثر الدول هشاشةً مائياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA).
ويزيد التركزُ الديمغرافي والاقتصادي على الشريط الساحلي الأطلسي من حدة هذا الشُّحّ الهيكلي. فجهة الدار البيضاء-سطات، التي تحتضن قرابة 35% من الناتج الداخلي الخام الوطني وأكثر من 7 ملايين ساكن، تعتمد شبه كلياً على الحوض المائي لأم الربيع، وبدرجة أقل على حوض أبي رقراق، لتأمين مياهها الصالحة للشرب. غير أن هذه الموارد السطحية، الخاضعة لتقلبات التساقطات ولضغط الاستغلال الفلاحي المتنامي، باتت عاجزة وحدها عن ضمان الأمن المائي طويل الأمد لهذه المدينة الكبرى.
في هذا السياق، وبعد سبع سنوات متتالية من الجفاف (2019-2025)، أُدرج البرنامج الضخم لتحلية المياه على الواجهة الأطلسية ضمن الأولويات الوطنية في إطار البرنامج الوطني للتزود بالماء الصالح للشرب والري (PNAEP) 2020-2027، التعبيرِ العملياتي عن المخطط الوطني للماء 2020-2050.
ثانياً: الوصف التقني للمحطة
تقوم محطة الدار البيضاء-عين عاتق على تقنية التناضح العكسي بضغط عالٍ (التناضح العكسي)، وهي العملية التي تُكره مياه البحر على اختراق أغشية شبه منفذة لاستخلاص الأملاح الذائبة منها. وقد انخفض الاستهلاك الطاقي الخاص بهذه التقنية بأكثر من الثلثين منذ التسعينيات (من 6-8 كيلوواط-ساعة/م³ إلى نحو 2,5-3 كيلوواط-ساعة/م³)، مما يجعل التحلية مجديةً اقتصادياً على النطاق الواسع.
المواصفات التقنية للمحطة
التقنية
التناضح العكسي بضغط عالٍ (SWRO)
الموقع
عين عاتق، جماعة دار بوعزة، إقليم النواصر
المرحلة الأولى (2027)
300 000 م³/يوم — التزويد بالماء لمدينة الدار البيضاء والمنطقة الصناعية
المرحلة الثانية (2028)
التوسيع إلى 822 000 م³/يوم — التغطية الشاملة لجهة الدار البيضاء الكبرى-سطات
مصدر الطاقة
مُغذَّاة جزئياً بالطاقات المتجددة (شمسية وريحية) للحد من البصمة الكربونية
صاحب المشروع
المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)
تُمثّل التغذية بالطاقة المتجددة أحد أجرأ الرهانات التكنولوجية للمشروع. إذ سيُوصَل بمنشآت لإنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية والطاقة الريحية، ستُرفع طاقتها تدريجياً لتغطية حصة متنامية من الاستهلاك الكهربائي للمنشأة. وسيُتيح هذا «التهجين الطاقي» تخفيضاً ملموساً لتكلفة إنتاج المياه المُحلَّاة وبصمتها الكربونية.
ثالثاً: الاستراتيجية الوطنية للتحلية — نحو 60% بحلول 2030
لا يُشكّل مشروع الدار البيضاء-عين عاتق حالةً منفردة. فهو ينتسب إلى استراتيجية وطنية لتنويع مصادر التزود تستهدف أن تُمثّل المياه غير التقليدية 60% من احتياجات الماء الصالح للشرب بالمغرب بحلول 2030. وهذا الهدف المرسوم في إطار PNAEP 2020-2027 والمُعزَّز بالتوجيهات الملكية السامية، يستلزم برنامجاً استثمارياً غير مسبوق في التاريخ الهيدروليكي للمغرب.
البرنامج الوطني للتحلية الساحلية 2020-2030
رابعاً: الاعتبارات البيئية والحوكمة
تُثير التحلية على النطاق الواسع تساؤلات بيئية مشروعة يتعين على مهندسي ومُسيِّري محطة الدار البيضاء-عين عاتق أن يُوليَها الاعتبار الكافي. ويتمحور الشاغل الرئيسي حول تصريف المياه المُركَّزة الملحية (الماء المالح) في المحيط الأطلسي. إذ إن هذه المياه فائقة التركيز الملحي (تقريباً ضعف ملوحة المياه البحرية العادية) قادرةٌ، إن أُسيء تدبيرها، على خلق مناطق شحيحة الأكسجين وتهديد النظم الإيكولوجية البحرية القاعية.
وللحد من هذا الأثر، يدمج المشروع أنظمة تخفيف وانتشار تكفل تفريقاً سريعاً للمياه المُركَّزة في الأعماق البحرية، فضلاً عن برنامج متواصل لمراقبة الجودة البيئية. كما أُجريت قبل انطلاق الأشغال دراسات معمّقة للأثر البيئي والاجتماعي وفق ما تقتضيه التشريعات المغربية ومعايير الممولين الدوليين المساهمين في تمويل المشروع.
تدابير الاستدامة البيئية
- أنظمة استرداد الطاقة (Energy Recovery Devices) للحد من الاستهلاك الكهربائي بنسبة 30%.
- الربط التدريجي بمحطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية والريحية لإزالة الكربون من إنتاج المياه المُحلَّاة.
- أنظمة ضخ المياه المركَّزة في الأعماق البحرية للحد من الأثر على النظم الإيكولوجية الساحلية.
- برنامج رصد علمي لجودة المياه البحرية في نطاق 5 كيلومترات حول نقطة الرمي.
خامساً: الدلالة التاريخية — منعطفٌ في الهندسة الهيدروليكية المغربية
في التاريخ المديد للهندسة الهيدروليكية بالمغرب، طبع كل حقبة كبرى نموذجٌ مهيمن. كانت الحقبة ما قبل الاستعمارية حقبة الأنظمة الهيدروليكية التقليدية: الخطارات (القنوات الجوفية المُستثمَرة في تافيلالت)، والسواقي (قنوات الري في واحات درعة وداديس)، والنواعير التي كانت تستثمر الموارد المائية الجوفية المتاحة محلياً. وقد أتاحت هذه الأنظمة، بما تتسم به من رقي ملحوظ، تدبيرَ الشُّح في سياقات الكثافة السكانية المنخفضة.
فتح الحماية الفرنسية صفحةَ السدود الكبرى، بزخم من المقيم العام ليوطي والمهندس الهيدروليكي روبير مونتاني. وقد شكّلت سياسة السدود ركيزةَ الأمن الغذائي والمائي للمغرب المستقل، وبلغت ذروتها في عهد الملك الحسن الثاني مع تشييد أكثر من مائة سد كبير.
اليوم، تُعلن محطة الدار البيضاء-عين عاتق عن نموذج ثالث: نموذج الموارد المائية غير التقليدية. ويُجيب هذا التحوّل التكنولوجي على ضرورة هيكلية ملحّة: إذ باتت الموارد المائية القابلة للتعبئة عبر السدود والفرشات الباطنية تقترب من حدودها القصوى القابلة للاستثمار، في حين يواصل الطلب ارتفاعه تحت وطأة التغير المناخي والنمو الديمغرافي والتطور الاقتصادي. وعليه، فإن التحلية لا تُمثّل رفاهيةً تكميليةً، بل ضرورة وجودية لتأمين الأمن المائي طويل الأمد للمملكة.