الساعات المائية في الحضارة الإسلامية: حين كان الماء يقيس الزمن — من كليبسيدرا الفراعنة إلى منجانة فاس

3 فبراير 2026
10 دقائق للقراءة
الساعات المائية في الحضارة الإسلامية: حين كان الماء يقيس الزمن — من كليبسيدرا الفراعنة إلى منجانة فاس

دراسة أكاديمية شاملة في تاريخ الساعات المائية عبر الحضارات: من الكليبسيدرا المصرية وإبداع الإغريق إلى عبقرية الجزري وساعة هارون الرشيد، مروراً بمنجانة فاس المرينية ودار المقانة البوعنانية — مع التعمق في تقنية الطاسة النحاسية والنوبة المائية والمزولة الشمسية ودور المؤقِّت في المساجد المغربية، وصولاً إلى إرث هذه الحضارة العلمية في عصرنا.

الساعات المائية في الحضارة الإسلامية

حين كان الماء يقيس الزمن — من كليبسيدرا الفراعنة إلى منجانة فاس المرينية

في عصرٍ لم تكن فيه الساعاتُ الميكانيكية قد وُلدت، ولا الكوارتز قد عُرف، ولا الرقمُ قد سيطر على مفهوم الزمن، كان الماءُ — ذلك العنصر الحيّ الأزلي — هو الذي يتولّى مهمة قياس الزمن وحراسته. فتدفّقت المياه في قنواتٍ نحاسية وأوانٍ مرمرية، ووزّعت الساعاتِ بدقةٍ لا يُستهانُ بها، وأيقظت المؤذّنين ونبّهت الفقهاءَ وضبطت النوباتِ وعدّلت الميزان. إنها الساعة المائية — أعرق صور الحوار بين الإنسان والزمن والماء.

أقدم توثيق

~1500 ق.م

الكليبسيدرا المصرية — معبد الكرنك

ساعة الجزري الأشهر

1206م

كتاب الجامع في صناعة الحيل

منجانة فاس

758 هـ

دار المقانة — أبو عنان المريني

ساعة هارون الرشيد

807م

هديةٌ أرعبت شارلمان وحاشيته

«إن أول ساعة عرفتها أوروبا هي الساعة التي أهداها الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى شارلمان عام 807م»

— فولتير، المؤرخ الفرنسي

١ مقدمة: حين كان الماءُ يقيس الزمن

ثمة مفارقةٌ شعرية عميقة في أن يكون الماءُ — ذلك العنصر الفرّار اللامتناهي الذي لا تُمسكه يدٌ ولا يُقيّده مكان — هو الأداةَ التي اختارتها الحضاراتُ البشرية قياساً للزمن. فالزمنُ نفسه بطبيعته سيّالٌ كالماء، لا يُمسك ولا يُعاد، ومن ثَمّ ففي اختيار الماء وسيطاً لقياسه شيءٌ يتجاوز البراغماتية التقنية ليلامس الشعرَ والفلسفة. كأنما أراد الإنسانُ أن يقول: يا زمنُ، سأقيسك بما يشبهك.

في الحضارة الإسلامية تحديداً، اكتسبت هذه العلاقةُ بين الماء والزمن أبعاداً أعمق وأكثر ثراءً. فالإسلامُ في جوهره ديانةٌ تُعلي من شأن الوقت وتجعله أمانةً إلهية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤمِنِينَ كِتَاباً مَوقُوتاً﴾. خمسُ صلواتٍ في اليوم، لكلٍّ منها ميقاتُها الدقيق المرتبط بأحداث الشمس وتحولات الظل وطلوع الهلال — هذه العبادةُ وحدها أوجبت على المسلمين التفكيرَ العميق في آليات قياس الوقت وضبطه. ولم يقتصر الأمرُ على الصلاة؛ فالزكاةُ مرتبطة بالحول، والصومُ بالشهر، والحجُّ بالموسم — الإسلامُ في مجمله منظومةٌ حضارية تربط الإنسان بالزمن ربطاً عضوياً وجوهرياً.

من هنا وُلد علمُ التوقيت (علم الميقات) في الحضارة الإسلامية، وأفرز جيلاً من العلماء المتخصصين عُرفوا بـ«المُوقِّتين» أو «المؤقِّتين»، وأنجب مؤسساتٍ راسخة كـ«دار التوقيت» الملحقة بالمساجد الكبرى، وأفضى إلى إنتاجٍ علمي ثري تجلّى في كتبٍ رياضية وفلكية وهندسية، فضلاً عن اختراعاتٍ تقنية دقيقة في مقدمتها الساعات المائية التي بلغت في أيدي العلماء المسلمين شأواً لم تبلغه في أي حضارة سابقة.

والمغربُ في هذا السياق ليس هامشاً بل مركزٌ فاعل. فمن مراكش خرج أبو الحسن المراكشي بموسوعته الفلكية الكبرى، ومن فاس شُيّدت دار المقانة البوعنانية التي مثّلت قمةَ صناعة الساعات المائية في الغرب الإسلامي، ومن واحات الجنوب المغربي تواصل استخدامُ الطاسة النحاسية عقوداً بعد عقود لضبط حصص الري وتنظيم النوبة المائية. إنها رحلةٌ عبر الزمن والماء والحجارة والنحاس والهندسة، نرصدها في هذه الدراسة رصداً أكاديمياً معمّقاً.

٢ الأصول القديمة: من الكليبسيدرا إلى البنيقية

لا يمكن فهمُ الإسهام الإسلامي في صناعة الساعات المائية فهماً حقيقياً دون استيعاب الإرث الحضاري الضخم الذي ورثه العلماءُ المسلمون عن الحضارات السابقة لهم. فالساعة المائية ليست اختراعاً إسلامياً من العدم — بل هي امتدادٌ وتطويرٌ وإبداعٌ فوق أرضية هيدرولوجية إنسانية راسخة التجذّر.

الساعة المائية عبر حضارات العالم القديم

~1500
ق.م
🏺 مصر الفرعونية — الكليبسيدرا أمّ الساعات

أقدمُ شاهدٍ مادي على وجود الساعة المائية يعود إلى مصر الفرعونية، حيث عُثر في معبد آمون رع بالكرنك على كليبسيدرا يُقدَّر عمرها بنحو 3500 عام، من عهد فرعون أمنحوتب الثالث (1417-1379 ق.م). وتشير نصوصٌ أقدم منها إلى اسم المصري أمنمحات بوصفه مخترعاً لهذا الجهاز في القرن السادس عشر قبل الميلاد. كانت الكليبسيدرا المصرية وعاءً حجرياً مشدودَ الجدار تدريجياً للحفاظ على انتظام التدفق، مثقوبةً قرب قاعدتها بثقبٍ صغير، يتسرب منه الماء ببطء، ويُقرأ الوقتُ من مستوى الماء على علاماتٍ داخلية مرسومة في اثني عشر عموداً تتوافق مع أشهر السنة وتراعي تغيُّر طول الساعات بتقلب الفصول. استُخدمت في بادئ الأمر لحساب ساعات الليل ليتمكن الكهنةُ من أداء الطقوس في أوقاتها المحددة.

المصدر: متحف مصر القديم / مجلة History of Information

3 ق.م
🏛️ اليونان والإغريق — قفزة كتيسيبيوس

حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، أخذ الإغريقُ الكليبسيدرا المصرية وحوّلوها تحويلاً جذرياً. أعظم خطوةٍ في هذا المضمار جاءت على يد المهندس الإسكندراني كتيسيبيوس (Ctesibius) الذي أضاف آليةَ تنظيم التدفق لإبقائه ثابتاً مهما تغيّر مستوى الماء في الخزان العلوي — وهو ما يُعرف بمبدأ «التغذية الراجعة» في المصطلح الحديث. ابتكر كتيسيبيوس كذلك نظامَ مؤشر وعقرب يُظهر تقدّمَ الوقت آلياً — النواة الأولى للساعة الآلية في التاريخ. ظلّت ساعته تُعدّ الأدقَّ في العالم قرابة ألفي سنة، حتى اخترع الفيزيائي الهولندي كريستيان هيغنز ساعة البندول عام 1656م. أما برجُ الرياح في أثينا (القرن الأول ق.م) فقد احتوى كذلك على كليبسيدرا رائعة تعمل بجانب المزولات الشمسية.

المصدر: Ancient World Magazine / Britannica

500
ق.م
🏯 الحضارات الآسيوية — إيران والصين والهند

في إيران القديمة، يعود استخدامُ الساعات المائية في المناطق الصحراوية إلى نحو 500 ق.م، إذ استُخدمت لضبط أوقات الأعياد الزرادشتية كالنوروز ومهرجان ميهرجان. وفي الصين، أسهم العالمُ سو سونغ (1020-1101م) في بناء ساعة فلكية مائية ضخمة عام 1088م تعدّ من عجائب التكنولوجيا الوسيطة، وتحتوي على آلية تروس معقدة وأجراس آلية. أما الحضارةُ الهندية فعرفت استخدامَ الطاسة الغارقة (Ghatika) قياساً للوقت في الأنشطة الدينية، وهو المبدأ ذاته الذي انتشر لاحقاً في منظومات الري الإسلامية.

المصدر: Water clock — Wikipedia

حين وصل الفاتحون العرب إلى بلاد فارس والشام ومصر، وجدوا أمامهم إرثاً هيدرولوجياً وتكنولوجياً هائلاً. لم يتعاملوا معه تعاملَ الغازي المدمّر، بل تعاملوا معه تعاملَ الوارث اليقظ الذي يُحيي ما يُصلح ويُطوّر ما يصلح. ترجم علماءُ المسلمين من اليونانية والفارسية والسنسكريتية، فنقلوا نصوصَ كتيسيبيوس وأرشميدس وهيرون الإسكندراني، ثم أضافوا عليها وطوّروها حتى غدت الساعاتُ المائية الإسلامية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين منظومةً تقنية بالغة التعقيد والدقة، لم يكن للعالم القديم منها نظير.

جدول مقارن: الساعة المائية عبر الحضارات

الحضارة الحقبة النوع أبرز الإسهامات الدقة
مصر الفرعونية ~1500 ق.م تصريف (Outflow) 12 عمود موسمي، التصحيح الفصلي متوسطة
اليونان (كتيسيبيوس) ~270 ق.م تعبئة (Inflow) تنظيم التدفق، العقرب والمؤشر، تروس بدائية عالية لعصرها
روما 1 ق.م – 500م متعددة جرس التنبيه، تحديد الخطابات القضائية متوسطة
الصين (سو سونغ) 1088م برج فلكي تروس معقدة، أجراس آلية، رصد فلكي عالية
الحضارة الإسلامية 750 – 1300م أوتوماتية متكاملة دُمى آلية، بروج فلكية، رنين موسيقي، دقة ساعية الأعلى في العالم القديم
المغرب المريني (فاس) 1357م مدنية معمارية 12 نافذة، صنجات نحاسية، دمج معماري فريد يومية دقيقة

٣ الساعات المائية في الحضارة الإسلامية — العصر الذهبي للهندسة الميكانيكية

عرف العالمُ الإسلامي في الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلاديين موجةً غير مسبوقة من الإبداع الهندسي والعلمي، تمثّلت في ما بات يُعرف بـ«الحقبة الذهبية للإسلام». في هذا السياق الفكري الخصيب، تطوّرت صناعةُ الساعات المائية تطوراً نوعياً جذرياً، إذ أُضيفت إليها عناصرُ أوتوماتية وفنية وفلكية جعلتها أكثرَ من أدواتِ قياس وقت — إنها أصبحت أعمالاً هندسية متكاملة تجمع الدقةَ العلمية بالجمال المعماري وحكمة الفلك.

إخوانُ الفاعلية — علماء أسهموا في تطوير الساعات المائية

بنو موسى بن شاكر (القرن 9م) — رواد الحيل الهندسية

الإخوة الثلاثة محمد وأحمد والحسن، أبناء الموسيقار والمنجّم موسى بن شاكر البغدادي، مثّلوا الجيلَ الأول من العلماء المسلمين المتخصصين في «علم الحيل» (الهندسة الميكانيكية). ألّفوا «كتاب الحيل» الذي وصف فيه نحو مئة آلة، من بينها أجهزة مائية لضبط التدفق وتوزيعه. كانت تصاميمُهم البذرةَ الأولى التي سيُزهر منها الجزري لاحقاً.

الجزري (536-602 هـ / 1136-1206م) — أمير الميكانيكا الإسلامية

أبو العز إسماعيل بن الرزاز الجزري، قضى خمساً وعشرين سنة كبيرَ مهندسي بلاط الأرتقيين في ديار بكر، ليؤلف في خاتمة عمله موسوعةً لا مثيلَ لها: «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل» (1206م). قال عنه المستشرق دونالد هيل: «لم تصلنا من أية حضارة أخرى حتى العصور الحديثة وثيقةٌ تناظر هذا الكتاب في ثراء التصميمات الهندسية وشروحها». وقال المؤرخ جورج سارتون إنه «أكثر الكتب من نوعه وضوحاً وذروةُ الإنجاز الإسلامي في هذا الحقل».

ابن الهيثم (354-430 هـ / 965-1040م) — الضوء والزمن

صاحب «كتاب المناظر» العبقري استخدم وعاءً مائياً بفتحة صغيرة في قاعدته جهازاً لضبط أوقات ملاحظاته الفلكية، مطوّراً مفهوم الدقة الزمنية في التجريب العلمي. وهو ما يُجسّد الصلةَ الوثيقة بين التحقيق العلمي في الحضارة الإسلامية وآليات قياس الوقت.

عبقريةُ الجزري: ساعاتٌ تقيس الوقت وتُبهر الأبصار

صنّف الجزري آلاتِه في ستة أنواع، خصّص النوعَ الأول منها بالكامل لـ«الساعات» (البنكامات أو الفنكامات)، وأفرد له عشرةَ أشكالٍ تفصيليةٍ. غير أن الشهرةَ الأكبر نالتها ساعاتُه الثلاث الكبرى التي باتت من أيقونات الحضارة الإسلامية في كتب العلوم والتاريخ:

ساعة الفيل

أشهر ساعات الجزري وأعقدها: فيلٌ ضخم تعوم في بطنه طاسةٌ نحاسية مثقوبة. حين تمتلئ الطاسة بالماء بعد مرور نصف ساعة، تغوص ساحبةً معها حبلاً يُطلق سلسلةً من الأحداث الميكانيكية الدقيقة: يرتفع تنينٌ ويسقط طيرٌ ويدقّ طبّال. تجمع هذه الساعة بين ثقافات العالم الإسلامي — الفيل الهندي، والتنين الصيني، والعنقاء الفارسية والعربية.

ساعة القصر

برجٌ معماري متكامل يعمل بالماء، تخرج من نوافذه دُمى تُشير إلى الساعة، وتدور في أسفله أفلاكُ البروج الفلكية الاثنا عشر. تُعدّ هذه الساعة النموذجَ الأقرب إلى دار المقانة الفاسية التي شُيّدت بعدها بنحو قرنين. آلية عملها تعتمد على خزان مائي علوي يُنظَّم تدفقُه بدقة لتحريك منظومة التروس والحبال.

ساعة الطبالين

أبسطُ الساعات الكبرى لكنها الأكثرُ وظيفية: بعد كل ساعة تنقضي يدقّ طبّالون آليون طبولَهم بعدد الساعات المنقضية، ليعرف الناسُ في عمق القصر والمسجد والسوق كم مضى من الوقت. مثّلت هذه الساعةُ أقربَ الأجهزة الوسيطة إلى مفهوم «الساعة العمومية» بمعناه المعاصر.

ساعةُ هارون الرشيد — أحجيةٌ أرعبت شارلمان

في عام 807 ميلادي، تحرّكت قافلةٌ من بغداد عاصمة الخلافة العباسية محمّلةً بهدايا نفيسة، في طليعتها السفيرُ الخاص لأمير المؤمنين هارون الرشيد، متجهةً نحو قصر الإمبراطور شارلمان في مدينة إيكس لا شابيل غربَ أوروبا. كانت إحدى تلك الهدايا جهازاً أذهل الجميعَ وأربكهم: ساعةٌ مائية ضخمة بارتفاع حائط الغرفة، مصنوعة من الجلد والنحاس المنقوش، تتحرك بقوة الماء، وعند إتمام كل ساعة تسقط كُراتٌ معدنية فوق قاعدة نحاسية ضخمة فيُسمع لها رنينٌ يملأ أرجاء القصر، ويخرج من اثنتي عشرة نافذةً فارسٌ يشير إلى الساعة المنقضية.

«حين سمع شارلمان طقطقةَ الساعة المائية وصوتَ كُراتها المعدنية، اعتقد أن بداخلها جناً أو عفريتاً يُحرّكها، فأغلق عليها في دولابٍ وبات يراقبها من خلف الباب لأيام. ولما أتى رهبانُه ليلاً بالفؤوس وحطّموها «لإخراج الشيطان»، لم يجدوا بداخلها سوى آلاتها — فحزن شارلمان حزناً شديداً ولم يجد أحداً يُصلحها.»

المؤرخون الفرانك — وقائع بلاط شارلمان (القرن 9م)

تُجسّد قصةُ هذه الساعة، على بساطتها الظاهرة، عمقَ الهوة الحضارية بين شرق الخلافة الإسلامية في أوج ازدهارها وغرب أوروبا في قلب عصورها المظلمة. ما كان في بغداد أداةً عادية للتوقيت، كان في قصر شارلمان معجزةً غيرَ مفهومة. وقد رصد المؤرخُ الفرنسي فولتير هذه الدلالة ببلاغة حين كتب: «إن أول ساعة عرفتها أوروبا هي الساعة التي أهداها الخليفة هارون الرشيد إلى شارلمان عام 807م»، مضيفاً أن هذا الحدث فتح باباً من التساؤلات الانقلابية في الوعي الأوروبي حول الزمن وقياسه.

٤ دار المقانة بفاس — تحفة الهندسة المائية المغربية

لو سألتَ عابراً في درب من دروب فاس القديمة عن أعظم ما بناه المرينيون، لأجابك الأغلبُ: المدرسةُ البوعنانية. غير أن من يعرفون يُضيفون على الفور: والمنجانةُ التي أُقيمت أمامها. فدار المقانة — أو «دار الساعات» أو «المنجانة» كما دأب فاسيو العهد المريني تسميتَها — ليست مجردَ ملحقٍ للمدرسة، بل هي بحد ذاتها إنجازٌ هندسي وعلمي يعكس تقدمَ الحضارة المرينية في علوم التوقيت والهندسة الميكانيكية.

دار المقانة — السياق التاريخي والمعماري

البانيُ والتاريخ

أمر بإنشاء دار المقانة السلطانُ المريني أبو عنان فارس (حكم 749-759 هـ)، أحدُ أعظم السلاطين المرينيين تعطشاً للعلم والعمارة. شُيّدت دارُ المقانة عام 758 هـ / 1357م، بالتزامن مع المدرسة البوعنانية التي تقع مقابلها مباشرةً على شارع الطالعة الكبيرة في قلب مدينة فاس البالي. وتتصل المنجانةُ بالمدرسة عبر مسارٍ جوي فوق الطريق بينهما، مما يجعل الاثنتين وحدةً معمارية متكاملة.

صمّمَ الساعةَ وأشرف على بنائها المُوقِّت أبو الحسن بن علي أحمد التلمساني، أحدُ أبرز المتخصصين في علم المواقيت في عصره. وتجدر الإشارة إلى أن المجمعَ الكامل يشتمل على مسجد وقاعتين للدراسة وقاعة للوضوء، فضلاً عن بناية الساعة الملحقة.

الأبعاد والوصف المعماري

تبلغ أبعادُ دار المقانة نحو 11 متراً عرضاً و12 متراً طولاً، مما يجعلها في وقتها أكبرَ ساعة مائية في العالم الإسلامي. واجهتُها المطلّة على الطريق تحمل اثنتي عشرة نافذة خشبية على شكل طيقان، تتوزع في صفٍّ أفقي أمام كل منها طاسةٌ نحاسية (قصعة معدنية). فوق النوافذ الاثنتي عشرة توجد أرفُفٌ تحمل صفاً من الأواني البرونزية الكبيرة، عددُها اثنا عشر كذلك.

وصف المؤرخُ المغربي الجزنائي هذه الساعةَ في كتابه «جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس» بقوله: «وقد صنع مولانا المتوكل أبو عنان رحمه الله المنجانة بطيقان وطسوس من نحاس مقابلة لباب مدرسته الجديدة... وجعل شعارَ كل ساعة أن تسقط صنجةٌ في طاس وتُفتح طاقٌ».

آلية العمل — كيف كانت المنجانة تقيس الزمن؟

على الرغم من أن الساعةَ البوعنانية توقّفت عن العمل منذ قرون، وفُقدت كثيرٌ من ميكانيزماتها الداخلية الأصلية، فإن ما بقي من الأدلة المعمارية وشهادات المؤرخين يسمح لنا بإعادة تخيّل آلية عملها الرئيسية:

١
الخزان المائي العلوي

في الطابق العلوي لدار المقانة كان يوجد خزانٌ مائي كبير يُملأ بصفة منتظمة. من هذا الخزان تتدفق المياه عبر أنبوبٍ دقيق مُعايَر، بسرعةٍ ثابتة تحددها فتحةٌ مضبوطة الحجم.

٢
تجمُّع الماء وتحريك الميزان

يتجمّع الماءُ في وعاءٍ ثانٍ داخلي. حين يبلغ الوعاءُ مستوىً محدداً يتوافق مع مرور ساعةٍ كاملة، يُحرّك ذلك من خلال نظام رافعات وحبال عربةً صغيرة تتحرك من اليسار إلى اليمين خلف النوافذ الاثنتي عشرة.

٣
فتح النافذة وسقوط الصنجة

مع كل ساعة تنقضي تُفتح إحدى النوافذ الخشبية، وفي الوقت ذاته تسقط «صنجةٌ» (كرةٌ معدنية ثقيلة) في الطاسة النحاسية أسفلها، فيصدر صوتٌ رنّان يُعلن انقضاءَ الساعة ويُنبّه المارّة والطلاب وطلاب العلم في المدرسة البوعنانية المقابلة.

٤
إعادة الضبط اليومي

كان المُوقِّت — الموظفُ الرسمي المكلَّف بصيانة الساعة — يُعيد ضبطَ المنظومة يومياً، ويُفرغ الأوانيَ ويملأ الخزان ويضبط فتحة التدفق بدقة. كان هذا المنصبُ وظيفةً علمية رفيعة، تتطلب إلماماً بالفلك والهندسة والحساب.

الحالة الراهنة والترميم

توقّفت منجانةُ فاس عن العمل منذ قرون في ظروف لا يزال الغموضُ يلفّها. في عام 2004، أُزيلت الأواني النحاسية الأصلية وبدأت وكالةُ التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس (ADER) في مشروع ترميم طموح لإعادة تأهيل الآليات الداخلية للمنجانة. وقد أُدرجت المدرسةُ البوعنانية وما يتصل بها — بما في ذلك دار المقانة — ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1981 بوصفها جزءاً من مدينة فاس القديمة. ويُعدّ نظامُ تشغيلها الداخلي الكامل لغزاً علمياً لا يزال يحيّر الباحثين والمهندسين، إذ لم تُكتشف أي مخططات هندسية أصلية له.

٥ تقنية الطاسة — قياسُ الزمن بالنحاس والماء

في مقابل الضخامة التقنية لمنجانة فاس والتعقيد الهندسي لساعات الجزري، ثمة شكلٌ آخر من أشكال قياس الزمن بالماء — أكثرُ تواضعاً في شكله الخارجي لكنه أعمق حضوراً في حياة الناس اليومية، وأوسعُ انتشاراً في المجتمعات الزراعية والواحية المغربية. إنها تقنيةُ الطاسة النحاسية (أو «الطاسة الغارقة»)، المعروفة عند بعض الباحثين بـ«الغاطسة» أو «الغرّاقة».

مبدأ عمل الطاسة — بساطةٌ تنطوي على دقةٍ مُذهلة

١

تُصنع طاسةٌ نحاسية صغيرة دائرية الشكل، بجدارٍ رقيق وقاعدة محكمة الصنع مثقوبة بثقبٍ دقيق للغاية، مُعايَر حجمُه بدقة تامة.

٢

تُوضع الطاسةُ على سطح الماء في وعاءٍ أو حوض. يبدأ الماءُ فوراً بالتسرب ببطء عبر الثقب إلى داخل الطاسة.

٣

بعد فترةٍ زمنية محددة — تتراوح عادةً بين دقيقة وعشر دقائق حسب حجم الطاسة وقطر الثقب — تمتلئ الطاسةُ وتغوص إلى قعر الحوض. مدةُ الغوق هذه هي وحدةُ الزمن الأساسية.

٤

يُعاد وضعُها على السطح من جديد، ويبدأ العدُّ من جديد. بتكرار هذه الدورة يمكن قياسُ ساعاتٍ بل أيام كاملة بدقةٍ مقبولة.

انتشارُها الجغرافي والحضاري

يتبيّن من المصادر التاريخية والإثنوغرافية أن الطاسة النحاسية لم تكن حكراً على منطقة بعينها، بل انتشرت عبر قوس جغرافي واسع يمتد من المشرق إلى المغرب الأقصى:

  • المغرب وواحاته: درعة وتافيلالت وفجيج وسوس
  • الصحراء الكبرى: الواحات الموريتانية والمالية والنيجرية
  • الجزيرة العربية: يمن وعُمان في أنظمة الأفلاج
  • الهند الإسلامية: حيث عُرفت بـ«غاتيكا»
  • الأندلس: في أنظمة الري بالسواقي والأسيكيات

ما يجعل الطاسةَ النحاسية جديرةً بالدراسة الأكاديمية الرصينة ليس بساطتُها وحسب، بل الدقةُ المذهلة التي تتمتع بها حين تُصنع من قِبَل حرفيين متمرسين. فأثبتت التجاربُ الحديثة التي أجراها باحثون في علم الميراث التقني أن طاسةً نحاسية مصنوعة بمعايير تقليدية صارمة قادرةٌ على قياس وحدتها الزمنية بهامش خطأ لا يتجاوز بضع ثوانٍ — وهو ما يكفي تماماً لأغراض الري وتوزيع النوبات والتنبيه لمواقيت الصلاة.

٦ النوبةُ المائية — الزمن في خدمة العدالة المائية

في المجتمعات الزراعية التقليدية بالمغرب وسائر أرجاء العالم الإسلامي، كان الماءُ ثروةً جماعية مشتركة لا يجوز احتكارها أو إهدارها. وقد أفرز هذا المبدأُ — المنبثق من الفقه الإسلامي والعرف المحلي في آنٍ واحد — منظومةً دقيقة لتوزيع حق الانتفاع بالماء في الزمان: النوبة المائية (أو الحصة المائية، أو «الوقفة» في بعض مناطق المغرب).

تقوم النوبةُ المائية على مبدأ جوهري: لكل مزارع حقٌّ في استخدام قناة الري لفترةٍ زمنية محددة يُعبَّر عنها عادةً بوحدات الطاسة أو الغَرقة أو الساعة. وبعد انقضاء وقته، يُغيَّر مجرى الماء إلى المزارع التالي وفق ترتيبٍ متفق عليه مجتمعياً ومحدد سلفاً. وكان الحارسُ أو «أمين الماء» هو المسؤول عن مراقبة هذا التوزيع وحفظه من الاعتداء والتلاعب.

دور الطاسة في ضبط العدالة المائية

الموضوعية المطلقة

الطاسةُ لا تحابي أحداً — الكبيرُ والصغير، الغني والفقير، كلٌّ منهم يُقاس وقتُه بالأداة ذاتها. وهو ما جعلها مقبولةً اجتماعياً في بيئات قد تكون فيها النزاعاتُ على الماء مصدرَ اقتتال.

الرقابة الجماعية

عمليةُ الغرق والإخراج تجري أمام الجميع، وأمين الماء يُشهد عليها من يريد. الشفافيةُ كانت مدمجةً في التقنية ذاتها — وهو ما لا توفّره الأجهزة الحديثة المغلقة في الحجرات والأنابيب.

المرونة والتكيف

يمكن تعديلُ حجم الطاسة أو قطر ثقبها لتغيير مدة الحصة دون إعادة هندسة البنية التحتية كلها. وهو مرونةٌ تجعل هذه التقنية قابلةً للتكيف مع تغيرات مناسيب المياه عبر الفصول.

وتتجلى الصلةُ الوثيقة بين الطاسة والخطارات المغربية بوضوح في مناطق مثل تافيلالت ودرعة وفجيج: فالخطارةُ توفّر الماءَ بصورة مستمرة تقريباً، لكن هذا الماءَ لا يذهب إلى الحقول بشكل عشوائي — بل تُحدد الطاسةُ كيف يُوزَّع في الزمن بين أصحاب الحق. وهكذا تكتمل المنظومةُ: الخطارةُ تُحقّق السيادةَ على الماء في الفضاء، والطاسةُ تُحقّق العدالةَ في توزيعه عبر الزمن. ولمن يريد الاستزادةَ في موضوع الخطارات المغربية، يُحيلُ هذا البحثُ إلى الدراسة التفصيلية: الخطارات: التراث المائي الباطني للمغرب.

٧ الظلُّ والشمس — المزولة وعلم الميقات

لا تكتمل صورةُ قياس الزمن في الحضارة الإسلامية بالاكتفاء بالساعة المائية وحدها؛ إذ اشتغل علماءُ الميقات المسلمون بمنظومةٍ متكاملة من الأجهزة الزمنية التكاملية، كلٌّ منها يُغطي ما يعجز عنه الآخر: الساعةُ المائية للتوقيت الليلي وأوقات الغيم، والمزولةُ الشمسية لساعات النهار الصافي، والأسطرلابُ للحسابات الفلكية الدقيقة. معاً، شكّلت هذه الأجهزةُ شبكةَ توقيت لا نظيرَ لها في العالم الوسيط.

أبو الحسن المراكشي — نجمُ علم الميقات المغربي

الحسن المراكشي (؟ – 660 هـ / 1261م)

من أعلام الحضارة المغربية في الفلك والرياضيات وعلم الميقات، عاش في كنف دولة الموحدين وخرج من مراكش. صنّف المستشرقُ الفرنسي سيديو كتابَه «جامع المبادئ والغايات في علم الميقات» من بين أعظم المؤلفات العلمية في تاريخ الإسلام، وقال عنه جورج سارتون المؤرخ إنه «من أحسن الكتب وفيه بحوث نفيسة في المثلثات والساعات الشمسية المتنوعة».

يتضمن الكتابُ وصفاً تفصيلياً لأكثر من مئة أداة فلكية وزمنية، مع تعليمات دقيقة لصنع المزاول بأنواعها المختلفة (المزولة الأفقية والعمودية والمنحرفة). وأبرزُ إسهاماته أنه أول من استعمل الخطوط الدالة على الساعات المتساوية في المزاول — وهو ابتكارٌ لم يعرفه اليونانيون من قبله حسب شهادة سيديو ذاته.

كذلك قدّم المراكشي جداولَ مفصّلة لأكثر من 240 نجماً موثّقاً لسنة 622 هـ، واشتغل بالمسائل الفلكية المرتبطة بتحديد قبلة الصلاة وأوقاتها — عملٌ مشبّع بالروح العلمية المنهجية التي ميّزت جيلَ الفلكيين المغاربة في عصر الموحدين والمرينيين.

المزولةُ الشمسية (ساعة الظل) في المساجد المغربية لم تكن زينةً معمارية وحسب — بل كانت أداةَ عملٍ يومي يعتمد عليها المؤذّن والإمام والطلاب. فظلُّ الشاخص (القضيب الرأسي) المثبت في قلب المزولة يُغيّر طولَه واتجاهه بصورة يومية منتظمة تتوافق مع تحركات الشمس، ومنه تُقرأ الساعاتُ الزمنية. تحديدُ وقت صلاة الظهر — بمجرد زوال الشمس وتحوّل الظل من اليمين إلى اليسار — يعتمد مباشرةً على هذا المبدأ الفيزيائي البسيط الذي رقّاه علماءُ الحضارة الإسلامية إلى مستوى علميٍّ دقيق.

المزولة الأفقية

الأشيعُ في المساجد المغربية — لوحةٌ أفقية بشاخص رأسي يُلقي ظلاً على خطوط الساعات. كانت تُثبَّت في الفناء الداخلي (الصحن) حيث تصلها أشعةُ الشمس طوال ساعات النهار.

الأسطرلاب

أداةٌ أكثر تعقيداً تسمح بتحديد الوقت في أي لحظة بقياس ارتفاع الشمس أو النجوم. أتقن المغاربةُ صناعتَه وكان الفلكيون المغاربة والأندلسيون روّاداً في صناعة الأسطرلاب الدقيق.

الربعُ المجيّب

أداةٌ أبسط من الأسطرلاب وأكثر شيوعاً عند المؤذّنين والفقهاء — ربعُ دائرة مُدرَّج يُستعمل لقياس ارتفاع الشمس وحساب الوقت بحسابات مثلثية مبسّطة.

٨ الماءُ والصلاة — البعدُ الروحي للساعات المائية

ثمة مفارقةٌ لغوية عميقة وإيحائية في العربية: كلمتا «الوَقت» و«الوُضوء» وإن اختلفت جذورهما، تجتمعان في علاقة عضوية لا فكاكَ منها داخل بنية الشعيرة الإسلامية. فالمسلم لا يُصلّي إلا في وقتٍ محدد، ولا يُصلّي إلا بعد وضوءٍ بالماء — فالماءُ يحضر في الشعيرة مرتين: مرةً لتطهير الجسد إعداداً للقاء، ومرةً أخرى — رمزياً واجتماعياً — في الساعة المائية التي تُحدد الميقات وتُؤذن بحلول وقته.

المُوقِّت — العالمُ الذي جمع الفلك والفقه والهندسة

لم يكن «المُوقِّت» (أو «المؤقِّت») مجرد موظفٍ يُشغّل ساعةً مائية ويُغيّر الماء فيها. كان عالماً متكاملاً جمع في شخصه الفلكَ والرياضياتِ والهندسةَ والفقه. فهو المسؤول عن:

  • رصد حركات الشمس والقمر وحساب مواقيت الصلوات الخمس يومياً
  • صيانة الأجهزة الزمنية (الساعات المائية والمزاول والأسطرلابات)
  • تحديد بداية الأشهر القمرية وتواريخ الأعياد والمناسبات الدينية
  • تعليم الطلاب وتدريسهم في مدارس الوقت الملحقة بالمساجد الكبرى
  • الإشهاد في النزاعات المتعلقة بأوقات العقود والمعاملات
  • تحديد اتجاه القبلة للمساجد الجديدة المُنشأة في المدن والبوادي

في فاس المرينية، ارتبطت وظيفةُ المؤقّت بالمدرسة البوعنانية ومنجانتها ارتباطاً عضوياً. فالمؤقّتُ أبو الحسن بن علي أحمد التلمساني — الذي أشرف على بناء الساعة وتشغيلها — كان في نفس الوقت معلماً في المدرسة يُدرّس علمَ الميقات لطلابها. هذا التكاملُ بين الجهاز العلمي والمؤسسة التعليمية يُجسّد الرؤيةَ الحضارية الإسلامية التي تربط العلمَ بالعبادة وتجعل تحديدَ مواقيت الصلاة من أشرف مهام العقل البشري.

٩ من الساعة المائية إلى الساعة الميكانيكية — الإرثُ والتحوّل

يُخطئ من يظنّ أن صناعةَ الساعات الأوروبية الميكانيكية نبتت من فراغ وانبثقت من لا شيء. إن المؤرّخين المدقّقين، من أمثال لين وايت ودونالد هيل وأحمد فخري، يُجمعون على أن العقلَ الميكانيكي الإسلامي — في أعمال الجزري وبني موسى والمراكشي — هو الأساسُ الذي قام عليه بناءُ الساعة الأوروبية الوسيطة والحديثة المبكرة.

مسارُ التأثير: من المشرق الإسلامي إلى الغرب الأوروبي

التروس القطعية

ظهرت التروسُ القطعية الدقيقة لأول مرة في كتاب الجزري، ولم تُعرف في أوروبا إلا بعد الجزري بقرنين حين صنع جيوفاني دوندي ساعتَه الفلكية الشهيرة (1348-1364م). والمقارنةُ بين الاثنين تُظهر التأثيرَ الجليّ.

نقل المعرفة عبر الأندلس

كانت الأندلسُ الجسرَ الحضاري الرئيسي: الترجماتُ اللاتينية لنصوص الحيل العربية في قرطبة وطليطلة نقلت المبادئَ الميكانيكية الإسلامية مباشرةً إلى الجامعات الأوروبية الناشئة.

الساعة الأوروبية المبكرة

أولُ ساعة ميكانيكية أوروبية موثّقة شُيّدت في القرن الثالث عشر، بعد قرنٍ ونيف من تأليف الجزري كتابَه. والتشابهُ في مبادئ الآليات لا يُعزى إلى مصادفة.

في المغرب تحديداً، استمرت الساعاتُ المائية والمزاول الشمسية في الخدمة حتى وقتٍ متأخر نسبياً — إذ لم تُتح الساعاتُ الميكانيكية الأوروبية للجمهور العام إلا في القرن التاسع عشر. وطوال هذه الحقبة الطويلة، بقيت المنجانةُ في فاس ومزاولُ المساجد وطاساتُ الخطارات الرموزَ العلمية الوظيفية لمجتمعٍ ينتظم وقتَه في ضوء الدين والزراعة والتجارة معاً. وحين تقلّصت هذه المنظومةُ وأُحلّت محلها الساعاتُ الأوروبية، لم يُفقد الوقتُ فحسب بل أُفقد أيضاً جزءٌ من الذاكرة الحضارية ومن علاقة الإنسان بالماء والشمس والنجم.

١٠ خاتمة: إحياءُ التراث العلمي المائي

في عالمٍ يتجرّع أزمةَ ندرة الماء ويئنّ تحت وطأة التغيّر المناخي، يتجاوز الاهتمامُ بالساعات المائية الإسلامية مجالَ الترف الأكاديمي الترفيهي إلى صميم قضايا هويتنا الحضارية وتعاملنا مع الموارد. إن الحضارةَ الإسلامية حين جعلت قياسَ الزمن مرتبطاً بالماء، كانت تُرسي بصورةٍ لا واعية مبدأً فلسفياً عميقاً: الماءُ ليس مجرد مادة استهلاكية بل حضورٌ حضاري متشعّب يلمس كلَّ جانب من جوانب الحياة الإنسانية — وضوءاً وزراعةً وعمارةً وعلماً وزمناً.

مبادراتٌ للحفاظ على التراث وإحيائه

مشروع ترميم دار المقانة بفاس الذي تقوده وكالة ADER، يهدف إلى إعادة تشغيل الساعة وإتاحتها للزوار والباحثين كنموذجٍ حيّ للتراث العلمي المغربي.

توثيقُ التقنيات التقليدية للطاسة النحاسية في الري المغربي من قِبَل باحثين في جامعات القرويين ومحمد الخامس والحسن الثاني.

إدراجُ علم الميقات والتراث العلمي الإسلامي في المناهج الجامعية المغربية، بوصفه ركيزةً من ركائز الهوية الحضارية والتكامل بين العلم والثقافة.

الانفتاحُ على الشراكات الدولية لبناء نماذج ثلاثية الأبعاد لساعات الجزري وتحليل آلياتها — مشاريع تقودها مؤسساتٌ في لندن وباريس وإسطنبول.

يُوحي تاريخُ الساعات المائية في الحضارة الإسلامية بأن عقلاءَ المسلمين الأوائل لم يكونوا يفصلون بين دقائق الدين ورحابة العلم؛ فاستدعتهم العبادةُ إلى الهندسة، والهندسةُ قادتهم إلى الاحتفاء بالماء، والماءُ ربطهم من جديد بالأرض والتاريخ والإنسان. إن كلَّ صنجةٍ وقعت في طاسٍ نحاسية أمام مدرسة البوعنانية، كانت صدىً لهذه الرحلة الحضارية العجيبة بين الماء والزمن والإيمان.

اليومَ، حين يقف الزائرُ أمام دار المقانة الصامتة في شارع الطالعة الكبيرة بفاس، ويُدير عينَيه على نوافذها الخشبية المغلقة والطاسات النحاسية التي لم تعد تستقبل صنجةً ولا ماءً، يُدرك أنه أمام شاهدٍ لا على عبقرية فنية محدودة الوظيفة، بل على حضارةٍ أسّست فهماً متكاملاً للعلاقة بين الإنسان والوقت والمكان والماء — علاقةٌ نحتاج إلى استلهام أعمق دروسها أكثر من أي وقتٍ مضى.

مصادرُ ومراجعُ البحث

مراجعٌ أساسية لمن يريد التعمّق في هذا الموضوع

الجزري، أبو العز إسماعيل — الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل (1206م)

المراكشي، أبو الحسن — جامع المبادئ والغايات في علم الميقات (ق. 13م)

الجزنائي، علي — جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس (ق. 14م)

هيل، دونالد — الهندسة الميكانيكية في الإسلام الوسيط (ترجمة أحمد فؤاد باشا)

سارتون، جورج — Introduction to the History of Science (1927-1948م)

الرابطة المحمدية للعلماء — الساعة المائية البوعنانية بفاس (بوابة الرابطة)

النبراوي، فتحية — الساعات في الحضارة الإسلامية (مجلة المعرفة)

Wikipedia — Water Clock / Dar al-Magana / Al-Jazari

د. عزيز فردان

د. عزيز فردان

حاصل على شهادة الدكتوراه تخصص التاريخ الوسيط

التعليقات

لا توجد تعليقات حاليًا.

قد يهمك أيضًا

21 مارس 2026

دراسة تاريخية معمقة في دور وحدة الماء في الجيش المرابطي — من الحملات الصحراوية عبر الصحراء الكبرى إلى معركة الزلاقة 1086م وما بعدها من الحملات الأندلسية. كيف...

قراءة المزيد
18 مارس 2026

دراسة نقدية معمقة في المصادر التاريخية حول زراعة القطن في سجلماسة — بين الإشارات الجغرافية والواقع المناخي والمائي في تافيلالت. نفحص ما أورده الإدريسي والبكر...

قراءة المزيد
17 مارس 2026

دراسة تاريخية معمقة في دور الموارد المائية كأداة لتحديد الحدود الجغرافية والسياسية للمغرب عبر العصور — من وادي زيز ووادي درعة إلى الساقية الحمراء ووادي السنغ...

قراءة المزيد