التصوف والطرق الدينية بالمغرب: تاريخها وتأثيرها على المجتمع والثقافة

مساهمة أكاديمية
التصوف والطرق الدينية بالمغرب: تاريخها وتأثيرها على المجتمع والثقافة

دراسة شاملة للتصوف والطرق الدينية في المغرب ودورها في تشكيل النسيج الاجتماعي والثقافي، مع تحليل لعلاقتها بالسلطة السياسية عبر مختلف الفترات التاريخية، وتأثيرها على العمارة والفنون والأدب، وحضورها في المجتمع المغربي المعاصر

حول هذه الدراسة

تتناول هذه الدراسة ظاهرة التصوف والطرق الدينية في المغرب من زوايا متعددة، بدءاً بالأصول التاريخية للتصوف الإسلامي ومراحل تطوره، وصولاً إلى الزوايا الصوفية ودورها الديني والعلمي والاجتماعي في المجتمع المغربي. وتسلّط الدراسة الضوء على خصوصية التصوف المغربي بوصفه تصوفاً سنياً ذا مرجعية جنيدية، وتبرز أدوار الزوايا وتأثيرها في مختلف جوانب الحياة المغربية عبر العصور.

تقديم

يُعدّ التصوف جانباً من أخص جوانب الحياة الروحية في الإسلام؛ فهو تجربة وسلوك قبل أن يكون مذهباً أو نسقاً فكرياً. ويقوم على تعميق معاني العقيدة، واستنباط مقاصد الشريعة، والتأمل في أحوال الإنسان في الدنيا وتأويل رموزها.

يُضفي التصوف على الشرائع قيماً روحية عميقة، ويجعل العناية بالمقاصد والمعاني أسبق من الوقوف عند الظواهر والأشكال. وقد عده علماء الإسلام من العلوم الشرعية أو الدينية، في حين تناولته دراسات حديثة من زاوية علاقته بالفلسفة الإسلامية.

والتصوف تجربة روحية فردية خالصة، والصوفية أو "القوم" يجمعهم موقف مشترك يتلخص في أنهم ينكرون إنكارا باتا أن الحقيقة هي ذلك الواقع المحسوس، لأن الواقع المحسوس الذي يتشبث به غيرهم، لا يشبع في طائفة الصوفية نزعاتهم الروحية العالية ولا يروي فيهم غلة الشوق إلى معرفة الحقيقة المجردة التي تصبو نفوسهم إلى معرفتها والاتصال بها.

أسئلة الدراسة

يثير موضوع التصوف جملة من التساؤلات التي تحاول هذه الدراسة الإجابة عنها:

  • ما هو التصوف وما أصل تسميته؟
  • ما نوع التصوف المنتشر في المغرب؟
  • ماذا نقصد بالطرق الصوفية أو الزوايا؟
  • ما هي أهم وظائف الزوايا الصوفية في المجتمع المغربي؟

يرى المتصوفة أن بلوغ الحقيقة يكون بالمعرفة القلبية والذوقية، لا بالمعرفة العقلية والحسية وحدهما. ولا يزال التصوف قائماً منذ نشأته في صدر الإسلام حتى اليوم، ويتميز بجملة من السمات، من أبرزها الزهد، ومجاهدة النفس، والتعويل على "الكشف" و"الذوق" و"المعرفة الباطنية".

حلقة ذكر صوفية في المغرب

حلقة ذكر صوفية تقليدية في إحدى زوايا المغرب

I. تعريف التصوف ومراحل نشأته

1. تعريف التصوف

اختلف الباحثون في أصل لفظ التصوف واشتقاقه، وتضاربت حوله الآراء من غير حسم نهائي. وقد تنبه ابن خلدون إلى هذا الأمر، إذ قال في كتابه "شفاء السائل في تهذيب المسائل": «وقد حاول كثير من القوم (أي رجال التصوف) التعبير عن هذا التصوف بلفظ جامع يشرح معناه، فلم يف بذلك قول من أقوالهم».

«وأقوال المشايخ في ماهية التصوف تزيد عن ألف قول ويطول نقلها...»

- السهروردي في كتابه "عوارف المعارف"

آراء في أصل كلمة التصوف

الصوف

ألفاظ التصوف والصوفي والصوفية مشتقة من "الصوف" الذي تميز الزهاد والنساك بلبس الخشن منه.

الصفة

اشتقاقها من "الصفة" وهي مقعد مغطى خارج المسجد الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ببنائه في المدينة، كان يأوي إليه بعض فقراء المسلمين ممن لم تكن لهم بيوت.

الصفاء

اشتقاقها من "الصفاء" أي الطهر الروحي، حيث صفت قلوب أهل الصوفية من الشرور وأكدار الدنيا وشهواتها.

صوفيا

قيل إنها مشتقة من الكلمة اليونانية "صوفيا" ومعناها الحكمة.

الصف

اشتقاقها من "الصف" استناداً إلى القول إن الصوفية كانوا من أوائل الناس مجيئاً إلى المسجد، فيُشكّلون الصف الأول بين المؤمنين في الصلاة.

الرأي الراجح

يرى ابن خلدون أن اشتقاق "التصوف" أو "المتصوفة" من الصوف أقرب إلى الصواب لاختصاص أصحابه بلبس الصوف، ويؤيد هذا الرأي أبو نصر السراج الطوسي حيث قال في كتابه "اللمع في التصوف": «إن الصوفية هم معدن جميع العلوم وحل جميع الأحوال المحمودة والأخلاق الشريفة... فلما كانوا في الحقيقة كذلك، لم يكونوا مستحقين اسما (تعريفا) دون اسم... فلما لم يكن ذلك (ممكنا) نسبتهم إلى ظاهر لبسهم، لأن لبسة الصوف دأب الأنبياء عليهم السلام وشعار الأولياء والأصفياء...».

من أشهر تعاريف التصوف

  • معروف الكرخي: «التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق».

  • الإمام الجنيد: «تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدعاوي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول في الشريعة».

  • ابن خلدون: «أصل التصوف هو العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله والإعراض عن زخرفة الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة. وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف فلما نشأ الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية».

2. نشأة التصوف

يجدر التأكيد على أن التصوف الإسلامي لم يكن نظاماً أجنبياً غريباً عن الإسلام، ولا دخيلاً من النصرانية أو اليهودية أو البوذية؛ بل إن أصوله كامنة في القرآن الكريم والحديث النبوي والعقيدة الإسلامية وشعائر الدين نفسه.

وهذا لا يمنع من الاعتراف بأن أنظمة كالتصوف أساسها الزهد والتقشف كانت موجودة في الديانات الأخرى. إن التصوف إسلامي الجذور، ولكن لحقت به عبر بعض الفترات التاريخية سمات ومؤثرات خارجية بعدما انخرط فيه بعض الخارجين وضعاف العقيدة وأصحاب الأهواء مما كان لهؤلاء جميعا أثرهم السيء.

«أن هذا العلم (أي التصوف) من العلوم الشرعية الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عن سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور...»

- ابن خلدون

وقد اعتمدنا في قولنا هذا على ما توصل إليه المستشرق "ماسينيون" المتخصص في التصوف الإسلامي حيث قال بأن التصوف الإسلامي نابع من القرآن الكريم ثم العلوم الإسلامية كالحديث والفقه وما إلى ذلك.

المصادر الأصلية للتصوف الإسلامي
القرآن الكريم

آيات تحث على الزهد في الدنيا والتأمل في ملكوت الله والخشية منه والرجاء فيه

السنة النبوية

الأحاديث النبوية التي تحث على الزهد والتقوى وتزكية النفس ومحاسبتها

سيرة السلف الصالح

زهد وورع الصحابة والتابعين وسلوكهم في العبادة والتقرب إلى الله

مخطوطات صوفية قديمة

مخطوطات صوفية قديمة تعود لفترات مختلفة من تاريخ التصوف الإسلامي

مراحل تطور التصوف الإسلامي

مرحلة الزهد

تميزت بكون الصحابة والزهاد كانوا يتخذون من القرآن وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في العبادة والزهد والتقوى. وقد نشأ هذا التصوف أو الزهد إسلاميا بحتا، خاليا من أي مؤثرات خارجية، ويعتبر الحسن البصري ورابعة العدوية من أشهر زهاد هذه المرحلة.

القرن الأول الهجري الزهد التقوى

مرحلة التصوف العملي

اتجه المتصوفة في هذه المرحلة إلى تحليل النفس ونقد عيوبها وتطهيرها وبيان أحوالها ومقاماتها وتعلقوا بالعشق الإلهي. وبدأ الصوفية يميزون بين الظاهر والباطن من الشريعة ومن حياة الإنسان وأولوا الأهمية للباطن (القلب والنفس والنية...) باعتباره أساس ذلك الظاهر وقوامه. وظل تصوفهم سنيا معتدلا ملتزما بأوامر الشرع.

القرنين 3-4 هـ الجنيد المحاسبي

مرحلة التصوف الفلسفي

تميز هذا النوع من التصوف بظهور نظريات وآراء فلسفية غريبة عن العقيدة الإسلامية وقد تأثر هذا التصوف بأفكار أفلاطونية. حيث بدأ التصوف يقيم دعائمه على أسس فلسفية، فظهرت نظريات في الوجود والمعرفة تقترب من نظريات الفلاسفة مثل نظرية الاتحاد والحلول، ونظرية الوحدة المطلقة ونظرية وحدة الوجود، مما جعل أقطاب هذا التصوف يزيغون عن التصوف السني.

القرنين 6-7 هـ الحلاج ابن عربي

التصوف الجمعي أو الطرقي

بزغ هذا الشكل الجديد من التصوف عندما انتقل من كونه سلوكا فرديا إلى سلوك جماعي، فظهرت طرق صوفية كثيرة تنسب إلى شيخ معين أو قطب بارز له أتباع كثيرون، ويتبعون مسلكه في المعرفة الدينية. ويلزم المريد شيخه فيتبعه ليهديه ويرشده في سفره الصوفي وتعراجه الذوقي. وانتشرت عدة طرق صوفية في العالم الإسلامي قديما وحديثا وارتبطت بالزوايا والمساجد.

من القرن 7 هـ الطرق الصوفية الزوايا

II. التصوف السني الجنيدي

يتميز التصوف السني بالتزامه بالشريعة، ويحرص المتصوفة السنيون على ألا تخرج تجربتهم الصوفية عن الحدود الدينية، حيث كيفوا مذاهبهم مع القرآن الكريم والسنة النبوية. ومن أبرز أعلام التصوف السني نجد الإمام الجنيد وأبو حامد الغزالي.

اتجه التصوف السني على حد تعبير "ابن خلدون" إلى «تقويم النفس وحملها على الصراط المستقيم حتى تصير لها آداب القرآن بالرياضة والتهذيب خلقا جبلية». ويعتبر التصوف السني الجنيدي ثابتا من أهم ثوابت المملكة المغربية.

خاتمة

يمثل التصوف والطرق الدينية بالمغرب جزءاً أساسياً من الهوية الدينية والثقافية للمجتمع المغربي، وقد ساهم عبر التاريخ في تشكيل النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي للمغرب. وعلى الرغم من التحديات التي يواجهها في العصر الحديث، فإن التصوف المغربي لا يزال حياً ومؤثراً، بفضل قدرته على التكيف مع المتغيرات، والحفاظ على أصالته وخصوصيته.

ويمتاز التصوف المغربي بتمسكه بالتصوف السني ذي المرجعية الجنيدية المعتدلة، الذي يجمع بين الالتزام بالشريعة والانفتاح على التجربة الروحية، وبين العلم والعمل، وبين الفردية والجماعية. كما يتميز بارتباطه الوثيق بالمرجعية المالكية والعقيدة الأشعرية، مما جعله يشكل مع هذه المكونات منظومة دينية متكاملة تعبر عن خصوصية الإسلام المغربي ووسطيته واعتداله.

عن الكاتب

إعداد: عزيز فردان

بعض المصادر والمراجع:
  • مقدمة ابن خلدون
  • لسان العرب لابن منظور
  • مجمل تاريخ المغرب - عبد الله العروي
  • التصوف والمجتمع - الشاذلي
  • وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية
د. عزيز فردان

د. عزيز فردان

حاصل على شهادة الدكتوراه تخصص التاريخ الوسيط